1. Home
  2. /
  3. اراء
  4. /
  5. مقالات
  6. /
  7. عفنة السمكة و فساد...

عفنة السمكة و فساد العراق سيّان

شوكت توسا.
يحفل تاريخ العراق الحديث بالعديد من الثورات والانتفاضات لعقود تجاوزت القرن ولكن ما زال العشى خباز, اذر غم كثرة الثورات لم يفلح العراقيون في تشكيل نظام يضع في أولوياته بناء وطن مزدهر, كلّما تأملّ الشعب خيرا فيما يتغيّر, سرعان ما يغدو التحسّر والترحّم على الماضي حصاد الوضع الجديد, في حين يمتلك العراق من مقومات التقدم والازدهار ما لم تمتلكه شعوب بنت أوطانا يشاد بها, بينما ظل العراق حبيس الحسرات يتنقل بين انفاق الصراعات والانتكاسات .
تفاقمت الحسرات بعد عام 2003,فقد أضحى العراق  المُحرَر أشبه بحال السمكة المتعفنة من راسها حتى ذيلها, حيثما أدرت وجهك تزكمك رائحة انعدام الحياة ولو أفلح ابنُ حمولة وفاز بأصوات الأصحاء سيلعن الساعة التي ربط فيها نفسه حول الجرباء الفاسدة, وان قلتَ للثكلى لو خُليت قلبت ستسخر من كلامك, اما لو انتفض الشباب السلميون يطالبون وطنا سعيدا فقد شممنا رائحة البارود يخترق صدورهم العارية! كيف لا ورائحة الفساد تنبعث من كل حزب وصوب, حتى جبب اولياء الدين وأغطية رؤوسهم الثخينة لم تسلم من وساخة الفساد فاصبح ذكرهم وذكر الأباليس سيّان.
في اكثر من مصادفة, نلتُ حظي في شمّ رائحة الفساد, كانت إحداها في عام من أعوام تولّي كاكه هوشيارالزيباري وزارة الخارجية, لبيتُ يومها طلب صديق لاصطحابه الى سفارة العراق في هولندا من اجل انجاز معاملته, سلّمَنا الاوراق لأحد موظفي الاستعلامات الثلاثة واثناء انتظارنا وقعت عيناي على اعلان تعلن فيه السفارة عن وظيفة مترجم يجيد العربية والإنكليزية ويفضل ان يجيد الهولندية ايضا.
دفعني فضولي وليس سبب آخر, باتجاه الاستعلامات وسألتهم ان كانت الدرجة الوظيفية مشموله بالمحاصصة, انزعج الثلاثة (شيعي وسني وكردي) من صراحتي فتطور الكلام الى مشادة لم تنفّض الا بقدوم موظف رابع أبلغني بان القنصل يود التحدث معي, فذهبت وقدمت له نفسي, وعندما أجبته على تساؤله حول الذي دار بيني وبين الثلاثة ظنّ انني جئت ناشدا التوظيف, فقال لي: للعلم عدد المتقدمين للوظيفة تجاوز المئة من مختلف الشهادات انت حر لو أحببت التقديم .
لم اهتم لصحة كلامه من عدمها بقدر ما لمتُ فضولي, كنت موشكاً أن اُفصح عن سبب تواجدي في السفارة لولا كابحا في دماغي أوقف لساني وحثني على المضي, فسألته ما هو المطلوب مني للتقديم؟ أجابني طلب خطي مرفق بسيرتك الذاتية.
بدأت يوميَ التالي بإبلاغ بلدية مدينتي بالأمر, كعادتهم تمنوا الموفقية لي وطلبوا مني تزويدهم بالتفاصيل في حال تم توظيفي, ثم ذهبت الى البريد وارسلت طلبي وسيرتي بالبريد المسجّل, مر اسبوع ولم اتلقى رداً, فاتصلت بالقنصل للاستفسار, اعتذر الرجل عن عدم استلامه رسالتي, وعندما سمع بسالفة البريد المسجل أخذته الصفنة لوهلة , فسالته: استاذ هل تستخدم الايميل ؟ اجابني بنعم, وخلال ثواني ابلغني باستلامها.
وبعد ثلاثة ايام تلقيت دعوه تلفونيه لإجراء الاختبار في السفارة, فذهبت قاطعا مسافة 220 كم وأجريت الاختبارات حسب الأصول على امل ان تظهر النتيجة في غضون اسبوع. كانت فرحتي كبيره عندما علمتُ بتفوقي في الاختبارات, لذا توجّب عليّ الذهاب باسرع وقت لمقابلة السفير من اجل تسجيل المباشرة بالعمل كمترجم .
رحبّ بي سعادة السفير بثلاث كلمات إطرائية ثم بدأ حديثه قائلاً: كونك مسيحي, بالاضافة الى وظيفتك كمترجم قررنا إناطة منصب مدير ادارة السفارة اليك كي تنسق مع رجال دينكم للتعاون معنا, لم يدعني اقاطعه كي أسأله ما علاقة وظيفتي برجال الدين, فاستمر مضيفا: سنكلفك ايضا بمتابعة ملف الفساد المتعلق بإجازات المنتسبين وضوابط استخدام السواق لسيارات السفارة وسرقات البنزين وما الى ذلك من كلام رحت من خلاله أتخيل  شكل وعنوان وظيفتي , ترى هل سأعمل مترجما ام منسق علاقات أم مسؤول النزاهة.

وبعد أن تلا عليّ قائمة واجباتي قال: إن كنت مستعدا لتأدية هذه المهام سنسجل مباشرتك. أجبته: وماذا عن الراتب الذي سأتقاضاه لقاء هذه الواجبات؟ رد علي: ستبلغك الموظفة .
ابلغتني المُحاسبه  بان راتبي الشهري 1350 دولارامريكي, عُدت الى سعادته كي استفسر عن قصة راتبي , فأخبرني انني لو احسنت في تأدية المهام الملقاة على عاتقي سيُنظر في تعديل الراتب  بعد 6 اشهر او سنه, فقلت له: حقيقة لا علم لي بمسوغات هذا النظام , ولكن مهما يكن ألا ترى ان هذه الدولارات لا تكفي لملئ حوصلتي وحوصلة السيارة, وهي قليله جدا مقارنة بقائمة الواجبات التي ساقوم بها واقل بكثير مما تمنحه الدولة لي ولعائلتي؟ .
اجابني سعادته: بإمكانك عدم ابلاغ الهولنديين بوظيفتك ونحن سنغض الطرف كي تستلم الراتبين! لم استطع كبت ضحكه شعرت بعدم لطافتها, فأعتذرت منه ثم سألته: هل جنابك جاد فيما تفضلت؟ اخذته الصفنة لوهلة ثم أجابني: “على مسؤوليتك “! فسألته: وماذا عن مسؤولية تكليفي بملف فساد السفارة؟ لم يجبني. عدت وسألته ما رأيك في تسهيل امري بصرف 19 سنتا لكل كم سياقه كما هو متبع في هولندا؟ اجابني نحن نظامنا يختلف! عدت واقترحت عليه اضافة واجب حراسة السفارة الى قائمة واجباتي عساني في المبيت احيانا أوفر كلفة الوقود, فرفض ايضا, وأخيرا اقترحت العمل ثلاثة ايام في السفارة ويومين في البيت عن طريق الحاسوب, لم يوافق. فقلت له: يكفيني فخرا فوزي في التحدي, وامتناني من حدسي لا يوصف لانه لم يخذلني, لذا سأعتذر عن المباشرة لأسبابي الخاصة, لم اسمع منه سوى كلمة براحتك, ثم ودعته, واثناء مغادرتي همس القنصل باذني: لقد تحقق له ما اراد. فقلت له بضحكه ناقمة:
العراق مبتلي…… ريحة الفساد تزكم الانوف يا أستاذ  .
لم تنته القصة هنا, كان في نيتي أن اكملها في حال اصبح كاكه هوشيار رئيسا لجمهورية العراق ,لكني سأختمها معتذرا عن الإطالة .
الوطن والشعب من وراء القصد

zowaa.org

menu_en