في وقتٍ تضع فيه الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي مكافحة الفساد في صدارة أولوياتها، تتجدد الحاجة إلى نقاشٍ وطني يتناول جذور هذه الظاهرة التي باتت تشكل أحد أخطر التحديات أمام بناء الدولة وترسيخ سيادة القانون وتحقيق التنمية. وفي هذا السياق، يقدم السكرتير العام للحركة الديمقراطية الآشورية، الرفيق يعقوب كوركيس ياقو، رؤيته حول العلاقة بين المحاصصة السياسية واستفحال الفساد، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بمعالجة أسبابه البنيوية، وترسيخ الشراكة الوطنية القائمة على المواطنة والكفاءة وسيادة القانون.
وفيما يلي نص المقال:
الفساد في العراق بين المحاصصة السياسية والشراكة الوطنية
منذ عام 2003 والتغيير الذي شهده العراق في الانتقال من النظام الدكتاتوري الدموي إلى النظام الديمقراطي، تسلل الفساد إلى مفاصل العملية السياسية الجديدة ليتحول مع مرور الوقت إلى أحد أخطر التحديات التي واجهت الدولة العراقية، حتى تحوّل من ظاهرة إدارية أو مالية محدودة ومتفرقة إلى منظومة متكاملة أثّرت في مؤسسات الدولة، وأضعفت هيبتها، وأهدرت مئات مليارات الدولارات، وانعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين ومستوى الخدمات والتنمية والاستقرار.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف وصل العراق إلى هذا المستوى من الفساد رغم امتلاكه ثروات هائلة وإمكانات بشرية كبيرة وعملية سياسية واعدة مبنية على الأسس الديمقراطية؟
تكمن الإجابة على هذا السؤال في أحد أهم أسباب الأزمة، وهو نظام المحاصصة السياسية الذي جرى تسويقه منذ البداية تحت عنوان جذاب هو “الشراكة الوطنية” أو “الشراكة العادلة في إدارة الدولة”.
لا خلاف على أن الشراكة الوطنية الحقيقية بين مكونات المجتمع تمثل مبدأً ديمقراطياً مشروعاً، خاصة في الدول متعددة القوميات والأديان والمذاهب مثل العراق. فهي تقوم على ضمان مشاركة الجميع في صنع القرار الوطني، وتحقيق المساواة في الحقوق والواجبات، ومنع الاستئثار بالسلطة كما يحصل الأن.
غير أن ما حدث في العراق كان شيئاً مختلفاً تماماً.
فقد تحولت فكرة الشراكة من ضمانة للوحدة الوطنية إلى آلية لتقاسم الدولة، وأصبحت الوزارات والهيئات والمؤسسات تُوزع باعتبارها حصصاً للأحزاب والقوى السياسية، وليس وفق معايير الكفاءة أو النزاهة أو المصلحة العامة.
وبذلك نشأت معادلة خطيرة مفادها أن لكل حزب “حصته” في الدولة، ولكل جهة نفوذها داخل مؤسسة معينة، الأمر الذي أدى إلى تراجع مفهوم الدولة الواحدة أمام مفهوم “الدولة المقسمة” بين القوى السياسية.
وفي ظل هذه المعادلة، أصبح الوزير أو المسؤول في كثير من الأحيان يمثل الحزب الذي رشحه أكثر مما يمثل الدولة ومصلحتها العليا، وأصبحت الوظائف العليا تُمنح على أساس الانتماء السياسي، بينما تراجعت معايير الاختصاص والخبرة.
ولأن كل طرف يمتلك حصته، فقد نشأت ثقافة سياسية تقوم على الحماية المتبادلة، حيث يصعب محاسبة الفاسدين عندما تكون ملفاتهم مرتبطة بتوازنات سياسية معقدة، فتغيب المساءلة، وتضعف الرقابة، ويتوسع الفساد عاماً بعد آخر.
ولم يقتصر أثر المحاصصة على الجانب الإداري، بل امتد إلى الاقتصاد والاستثمار والخدمات، فأصبحت المشاريع العامة تخضع في كثير من الأحيان للمساومات السياسية والمكاسب الحزبية، وأصبحت العقود الحكومية مجالاً للصراع على النفوذ والمكاسب، بدلاً من أن تكون وسيلة لتحقيق التنمية.
والنتيجة كانت واضحة أمام العراقيين جميعاً: بنية تحتية متدهورة، خدمات متعثرة، بطالة مرتفعة، هجرة للكفاءات، وتراجع ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها وفساد تحول من حالات فردية إلى منظومة متحكمة بالإقتصاد الوطني.
إن المشكلة ليست في مبدأ الشراكة ذاته، وإنما في تشويه مفهومه.
فالشراكة العادلة لا تعني تقاسم الدولة ومؤسساتها على شكل غنيمة، وإنما تعني المشاركة في صنع القرار الوطني، واحترام التنوع، وضمان تكافؤ الفرص، وإقامة دولة المؤسسات والقانون دون إقصاء او الاستئثار بالسلطة وتوظيفها لتحقيق مكاسب خاصة حزبية او فئوية.
أما المحاصصة، فهي تقوم على توزيع السلطة وفق الانتماءات الحزبية والطائفية والقومية، بينما تقوم الشراكة الحقيقية على توزيع المسؤولية الوطنية، مع بقاء الدولة ملكاً لجميع المواطنين، لا كعكة يتقاسمها المتنفذون.
لقد أثبتت التجربة العراقية أن أي نظام سياسي يجعل الولاء للحزب أو للطائفة أو للقومية مقدماً على الولاء للدولة، يفتح أبواب الفساد على مصراعيها، مهما كانت النصوص الدستورية أو الشعارات المرفوعة.
واليوم، وبعد أكثر من عقدين من التجربة السياسية المبنية على النظام الديمقراطي، أصبح من الضروري إعادة النظر في أسس إدارة الدولة العراقية، والانتقال من ثقافة المحاصصة إلى ثقافة المواطنة والشراكة الوطنية الحقيقية، ومن تقاسم المناصب إلى التنافس على أساس الكفاءة، ومن حماية الفاسدين إلى تطبيق القانون.
فالعراق لا يحتاج إلى شراكة في اقتسام وليمة السلطة، بل إلى شراكة في صناعة القرار الوطني لبناء الدولة. ولا يحتاج إلى توزيع المناصب على أساس المحاصصة السياسية، بل إلى تطبيق الشراكة الوطنية وتوزيع الفرص بعدالة بين المواطنين.
إن مكافحة الفساد لن تتحقق عبر الشعارات أو تشكيل اللجان وحدها، بل تبدأ بإزالة البيئة السياسية التي أنتجته وحمته طوال السنوات الماضية. وعندما تصبح الكفاءة والنزاهة وسيادة القانون هي الأساس في إدارة الدولة، عندها فقط يمكن للعراق أن يطوي صفحة المحاصصة، ويؤسس لشراكة وطنية حقيقية تُعيد للدولة هيبتها، وللمواطن ثقته، وللوطن مستقبل
