في مقال قانوني وسياسي، يتناول الرفيق يعقوب كوركيس، السكرتير العام لحركتنا الديمقراطية الآشورية، ملف أراضي منشأة جابر بن حيان في قضاء تلكيف، مؤكداً أن أي محاولة لإحياء آثار قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل تمثل مخالفة صريحة للدستور والقوانين النافذة، وإعادةً لإنتاج سياسات التغيير الديموغرافي التي أسقطها العراقيون مع سقوط النظام الدكتاتوري.
ويؤكد السكرتير العام أن حماية أراضي تلكيف وسائر مناطق سهل نينوى ليست قضية تخص أبناء شعبنا فحسب، بل تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة العراقية بدستورها، وسيادة القانون، وحماية حقوق الشعوب الأصلية وصون التنوع القومي والديني.
وأدناه نص المقال:
قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل ما تزال سارية
ملف أراضي منشأة جابر بن حيان في قضاء تلكيف، يعود بالعراق إلى سلطة النظام الدكتاتوري البائد وكأن الزمن لم يتغير، وقرارات مجلس قيادة الثورة المنحل ما تزال سارية، والعراق لا يعمل بدستور عام 2005 ولا بالتشريعات التي ألغت تلك القرارات واعتبرتها جزءاً من سياسة التغيير الديموغرافي التي مارسها النظام السابق.
إن هذه الأراضي تعود ملكيتها الشرعية إلى أهالي قضاء تلكيف، وقد جرى إطفاؤها قسراً في زمن النظام الدكتاتوري الفاشي السابق استناداً إلى القرار (117) لسنة 2000 وغيره من قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل، ثم وزعت على موظفي منشأة جابر بن حيان، في إطار سياسة هدفت إلى تغيير الواقع السكاني في المنطقة، وهي السياسة التي ألغتها السلطات العراقية بعد عام 2003 بصورة واضحة وصريحة.
واليوم، فإن أي محاولة لإحياء آثار تلك القرارات أو المضي في تنفيذ نتائجها تمثل تجاوزاً على المنظومة الدستورية والقانونية التي أقامها العراق الجديد. فالدستور العراقي في المادة (23/ثالثاً/ب) يحظر التملك لأغراض التغيير السكاني، كما أن مجلس الحكم أصدر قراره رقم (50) لسنة 2003 بإلغاء جميع القرارات الصادرة لأغراض التغيير السكاني، ثم جاء الأمر التشريعي رقم (12) لسنة 2004 ليُلغي القرار (117) لسنة 2000، فضلاً عن توجيه رئاسة الجمهورية عام 2005 الذي منع دوائر الدولة من تسجيل الأراضي الموزعة بموجب تلك القرارات.
كما أن المحكمة الاتحادية العليا فسرت المادة (23) من الدستور بما ينسجم مع حماية التركيبة السكانية ومنع شرعنة سياسات التغيير الديموغرافي، إضافة إلى وجود قرارات قضائية وإدارية متعددة تخص أراضي تلكيف، فضلاً عن قرارات اللجنة العليا لتنفيذ المادة (140)، وكلها تؤكد أن هذا الملف لا يمكن التعامل معه بمنطق قرارات النظام السابق.
ولا يقف الأمر عند حدود التشريعات العراقية، بل يمتد إلى التزامات العراق الدولية، ومنها إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، الذي صوّت العراق لصالحه عام 2007، والذي يؤكد حق الشعوب الأصلية في أراضيها التاريخية وحمايتها من المصادرة أو تغيير هويتها.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية محافظ نينوى السيد عبد القادر الدخيل بوصفه أعلى سلطة تنفيذية في المحافظة. فالمحافظ مطالب بتطبيق الدستور والقوانين النافذة، لا إعطاء أثر عملي لقرارات مجلس قيادة الثورة المنحل التي ألغتها الدولة العراقية بعد عام 2003. وهذا الأمر ينطبق أيضاً وبمسؤولية اكبر على السيد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي كونه رأس السلطة التنفيذية في البلد وما يجري هو مخالفة واضحة للدستور والقوانين النافذة وعليه ان يتدخل فوراً لإيقاف هذا الخرق، لإن استمرار تحريك هذا الملف أو اتخاذ إجراءات تستند إلى تلك القرارات يثير قلقاً واسعاً لدى أبناء الشعب الكلداني السرياني الآشوري بشكل عام وأبناء تلكيف في الداخل والمهجر بشكل خاص، ويعطي انطباعاً بأن قرارات النظام السابق ما زالت تجد من ينفذها رغم سقوطها قانوناً ودستورياً.
إن المطلوب اليوم ليس الدخول في نزاع جديد، وإنما إغلاق هذا الملف بصورة نهائية وفق أحكام الدستور والقانون، وإيجاد حلول عادلة للمستفيدين من قرارات النظام السابق عبر تعويضهم في مناطق أخرى لا تمس أراضي الأقليات والشعوب الأصلية، وبما يحفظ حقوق الجميع دون تكريس نتائج سياسات التغيير الديموغرافي.
لقد أثبتت التجارب أن الأرض ليست مجرد عقار، بل هي أساس الوجود والهوية والتاريخ. وعندما تُنتزع أراضي الشعوب الأصلية أو يُسمح باستمرار آثار القرارات التي استهدفتها، فإن الخطر لا يقتصر على الملكية، بل يمتد إلى الوجود التاريخي لهذه المكونات.
إن حماية أراضي تلكيف وبقية مناطق سهل نينوى ليست قضية محلية تخص أبناء مكون معين، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة العراقية بدستورها، وبأحكام قضائها، وبالتزاماتها الدولية. كما أنها اختبار لحرص الإدارة المحلية في نينوى على صون التنوع القومي والديني الذي يمثل أحد أهم عناصر قوة المحافظة والعراق بأسره.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والقانونية تقتضي من محافظة نينوى إغلاق هذا الملف نهائياً، وعدم السماح بإحياء قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل أو ترتيب أي آثار قانونية عليها، لأن دولة الدستور لا يمكن أن تُدار بعقلية القرارات الاستثنائية التي أسقطها التاريخ والقانون معاً.
