في الرابع والعشرين من نيسان، تقف ذاكرتنا الجمعية عند واحدة من أحلك صفحات التاريخ الحديث، حين ارتُكبت جريمة الإبادة الجماعية بحق شعوبٍ أصيلة من مواطني الدولة العثمانية، وفي مقدمتهم أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، إلى جانب الأرمن واليونانيين البونت. لم تكن تلك الجرائم أحداثاً معزولة أو انفجارات عابرة للعنف، بل تخطيط مسبق وسياسة ممنهجة من السلطنة وتنفيذ جيشها وبعض العشائر الكوردية، واستهدفت الوجود القومي لشعبنا وهويته ودموغرافيته، وسعت إلى اقتلاعه من جذوره التاريخية، ومحو وجوده الحضاري من أرضٍ شكّلت مهده منذ آلاف السنين.
لقد مثّلت مجازر سيفو عام 1915 جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، تعرّض فيها شعبنا للقتل العام والسبي والتهجير القسري والتغيير الديموغرافي للوضع التاريخي لمناطقه، وفقد أكثر من 750 ألفاً من أبنائه في واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في مطلع القرن العشرين، حيث مورس الاقتلاعٌ الشامل لكيانٍ تاريخي متجذر في هكاري وطورعبدين وديار بكر وأورفا وملاطيا وسائر مناطق شعبنا التاريخية.
وإذا كانت تلك الجريمة قد هزّت ضمير الإنسانية، فإن آثارها لم تتوقف عند حدود تلك الفترة الزمنية، بل امتدت عبر قرنٍ كامل من المعاناة المتواصلة، تجلت في سلسلة من الاضطهادات والمجازر والتغييرات الديموغرافية التي استهدفت هوية الأرض وسكانها الأصليين. من مذبحة سميل عام 1933، إلى حملات الأنفال عام 1988 وما رافقها من هدم وحرق مئات القرى وتغييب المئات من ابناء شعبنا في المقابر الجماعية من قبل النظام الدكتاتوري البائد, وصولاً إلى الجرائم الإرهابية التي ارتكبها تنظيم داعش عام 2014 في سهل نينوى وسهل الخابور، حيث تكررت مشاهد القتل العام والتهجير الجماعي والتدمير الشامل في محاولة جديدة لكسر الإرادة ومحو الوجود القومي لشعبنا الكلداني السرياني الاشوري.
إن هذا المسار الدموي الممتد يكشف بوضوح عن نمطٍ متكرر من الاستهداف المنهجي، لمكوّنٍ عُرف عبر تاريخه بسلميّته، وإسهامه الحضاري في بناء المجتمعات التي عاش فيها. وهو ما يجعل من قضية شعبنا ليست قضية تاريخية فحسب، بل قضية حاضرة تمسّ جوهر العدالة والضمير الإنساني وطنياً ودولياً.
إن إحياء هذه الذكرى لا يُراد له أن يكون استغراقاً في الألم، بل فعلاً واعياً يهدف إلى تثبيت الحقيقة في الذاكرة السياسية والإنسانية، وتحويلها إلى قوة دافعة نحو تحقيق العدالة. فالعدالة لا تتحقق إلا عبر الاعتراف الصريح بالجرائم المرتكبة، وتحمل المسؤولية المعنوية قانونياً، من قبل الدولة التركية وريثة السلطنة العثمانية، وتعويض الضحايا، وضمان عدم تكرارها، من خلال سن قوانين وتشريعات تدين تلك الجرائم، وهو الفعل الأساس لأي مسار حقيقي نحو العدالة التاريخية، كون الحق لا يسقط بالتقادم، ولا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه، لأنه يرتبط بكرامة شعب وحقه في الوجود.
كما نؤكد أن حماية الشعوب لا تُصان بالشعارات، بل عبر منظومات قانونية ودستورية ضامنة، تكفل الحقوق القومية والسياسية والثقافية، وتجرّم كل أشكال الكراهية والإقصاء والتطهير العرقي، وتضع أسساً راسخة لمنع تكرار المآسي.
إن صون الوجود القومي لشعبنا الكلداني السرياني الاشوري، يتطلب إرادة سياسية حقيقية، تترجم إلى برامج وسياسات واضحة تحمي هذا المكوّن الأصيل، وتضمن مشاركته الفاعلة في وطنه، وتصون هويته ووجوده.
وفي هذه الذكرى، نجدد العهد بأن تبقى قضية شعبنا حيّة في الوعي الجمعي وطنياً وقومياً وإنسانياً، وأن يستمر النضال المشروع في مختلف المحافل الوطنية والدولية، مستنداً إلى ما تحقق من اعترافات دولية متزايدة، وإلى إيمان راسخ بأن العدالة، مهما تأخرت، لا بد أن تتحقق.
إن الرابع والعشرين من نيسان هو يوم للحزن والاستذكار وتمجيد التضحيات، لكنه أيضاً يوم إرادةٍ متجددة، نستمد منها العزم لمواصلة المسيرة، ورفض اليأس، ورفع الصوت عالياً دفاعاً عن الحق والوجود والكرامة.
المجد للشهداء
الخلود للضحايا
والبقاء لشعبٍ متمسكٍ بحقوقه، ثابتٍ في أرضه، مؤمنٍ بأن العدالة لا تموت.
الحركة الديمقراطية الآشورية
الحزب الوطني الاشوري
حزب اتحاد بيث نهرين الوطني
24 نيسان 2026
