حكمت كاكوس منصور
ليست المسيرة البنفسجية مجرد تظاهرة موسمية، ولا احتفالا شكليا بلون حزبي، بل هي فعل سياسي واع، وتجسيد عملي لمسيرة نضال الحركة الديمقراطية الاشورية (زوعا)، التي ولدت عام 1979 من رحم معاناة شعب اريد له ان يمحى قسرا من المعادلة الوطنية في العراق.
لقد جاءت الحركة “زوعا” في مرحلة تاريخية شديدة القسوة، حيث كان الانكار القومي، والتعريب الممنهج، والقمع السياسي، ادوات رسمية لالغاء الوجود الاشوري. ومنذ تاسيسها، لم تطرح الحركة نفسها كتنظيم هامشي او رد فعل عاطفي، بل كمشروع سياسي قومي ديمقراطي، يطالب بالاعتراف، والحقوق، والشراكة الوطنية الحقيقية، ويدافع عن الارض والانسان والهوية.
البنفسجي: رمز يتجاوز اللون:
ان اختيار اللون البنفسجي لم يكن اعتباطيا، بل رمزا مكثفا لمعنى الشهادة، والصبر، والاستمرار. ومع مرور الزمن، تحول هذا اللون الى علامة سياسية فارقة، تعبر عن ذاكرة جماعية، وتاريخ من التضحيات، وتحد مستمر لكل محاولات التهميش والاقصاء.
فالمسيرة البنفسجية، اينما خرجت، لم تكن موجهة ضد احد، لكنها كانت دائما موجهة من اجل قضية: قضية شعب اصيل، يطالب بحقه المشروع في وطنه التاريخي.
دهوك: ساحة الوعي والموقف:
في محافظة دهوك، اتخذت المسيرة البنفسجية بعدا خاصا، ليس فقط بحكم الكثافة السكانية لشعبنا، بل لان دهوك كانت، ولا تزال، ساحة اختبار حقيقية لصدق الشعارات حول الشراكة والتعددية.
في شوارع دهوك، رفعت البنفسجية مطالب واضحة:
حماية الوجود، وقف التجاوزات على الاراضي، ضمان التمثيل الحقيقي، ورفض اختزال شعبنا بمناصب رمزية او ادوار ثانوية.
لقد اثبتت هذه المسيرات ان الوجود الاشوري ليس طارئا، وان الصمت لم يكن يوما خيارا، مهما بلغت الضغوط.
من سهل نينوى الى بغداد: وحدة الخطاب:
لم تنحصر المسيرة البنفسجية في دهوك وحدها، بل امتدت الى سهل نينوى، واربيل، وبغداد، حاملة خطابا سياسيا موحدا:
ان شعبنا ليس رقما انتخابيا، ولا ورقة تفاوض، بل مكون تاريخي لا يمكن تجاوزه او الالتفاف على حقوقه.
وفي بغداد تحديدا، كانت البنفسجية تذكيرا مباشرا لمراكز القرار بان الديمقراطية لا تكتمل دون عدالة، وان القوانين التي تشرعن التهميش لا تصنع وطنا.
المهجر: حين تتحول القضية الى صوت عالمي:
في بلدان المهجر، لم تكن المسيرة البنفسجية حنينا فقط، بل اداة ضغط سياسي، نقلت قضية شعبنا الى البرلمانات، والمنظمات الدولية، والراي العام العالمي.
لقد لعبت منظمات زوعا في الخارج دورا محوريا في ربط الداخل بالخارج، وتاكيد ان القضية الاشورية ليست محلية معزولة، بل قضية حقوق شعب اصيل.
الشهداء.. جوهر المسيرة:
لا يمكن الحديث عن المسيرة البنفسجية دون التوقف عند شهداء الحركة الديمقراطية الاشورية، الذين قدموا حياتهم دفاعا عن المبدأ، ورفضوا الاستسلام لواقع الالغاء. هؤلاء الشهداء ليسوا رموزا عاطفية فحسب، بل اساسا اخلاقيا وسياسيا لكل موقف تتخذه الحركة اليوم.
بعد 2003.. اختبار المبادئ:
بعد 2003، دخل العراق مرحلة جديدة، لكنها لم تكن عادلة لشعبنا. دستور ناقص، قوانين مجحفة، ومحاولات منظمة لتفريغ الشراكة من مضمونها. وفي هذا السياق، دفعت زوعا ثمن مواقفها المبدئية، من خلال التهميش والاقصاء، لكنها لم تساوم، ولم تبدل خطابها، ولم تدخل صفقات على حساب الحقوق القومية.
المسيرة البنفسجية اليوم: رسالة لا تنتهي:
اليوم، ما زالت المسيرة البنفسجية فعلا سياسيا ضروريا، ورسالة واضحة للاجيال القادمة بان الحقوق لا تمنح، بل تنتزع بالنضال الواعي، وبالموقف الثابت، وبالتمسك بالهوية دون انغلاق، وبالوطن دون ذوبان.
انها ليست ذكرى، بل عهد مستمر بان زوعا ستبقى صوت شعبها، مهما تغيرت الظروف، ومهما طال الطريق.







