1. Home
  2. /
  3. اراء
  4. /
  5. مقالات
  6. /
  7. غياب الإرادة السياسية في...

غياب الإرادة السياسية في حكومة إقليم كردستان العراق لمعالجة مَلف الأراضي والممتلكات الآشورية المُستَولَى عليها

بقلم آشور توما هرمز

المقدمة: كلمة شخصية

لم أكتُب هذا المقال بصفتي مراقباً سياسياً محايداً يقف بعيداً عن القضية، بل بصفتي واحداً من أبناء العائلات الآشورية التي عاشَت تداعيات هذا الملف لعقودٍ طويلة. فبالنسبة لي، لا تمثل قضية الأراضي الآشورية مجرد موضوع سياسي أو حقوقي للنقاش، وإنما تجربة شخصية وعائلية مؤلمة للغاية وما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم. انَّ عائلتي مِن بين العائلات التي فقدت أراضيها في مُحافظة دهوك، وهي أراضٍ استُولي عليها خلال العقود الماضية من قبل جهات حزبية حاكمة وأفراد مستفيدين من موازين القوة والنفوذ السياسي السائدة آنذاك وحتى الآن. ومن ضِمن الَّذين إستَولوا على أراضي عائلتي هو الحزب الديمقراطي الكردستاني عن طريق مؤسساته ومنها: إعلام الحزب اليمقراطي الكردستاني وسَتلايت تلفزيون كردستان والمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني واخرى بإسم الحزب الديمقراطي الكردستاني بِذاته، الَّذي إستَحوذَ على ما يقارب الستَّة عشر ألفاً ومِئتان وخَمسون (16250) متراً مربَّعاً إجمالاً دون اي تَعويضات. وفي الآونة الأخيرة إفتَتح الحزب الديمقراطي الكردستاني مقرهُ الجديد على أراضي والدي، المُستَولَى عليها في مدينة دهوك، بدون أي تعويضات بَتاتاً رغم أن رئاسة الحزب لديها العِلم، وأَنا شاهِد على ذلك، بانَّ هذه الأراضي عائدة إلى والدي المرحوم المُرشِد المُعلِّم توما هرمز ايشو، الذي قَضى عُمرهُ مناضلاً ودَخَل سجون حزب البعث وتعرَّض للتعذيب وصودِرَت أَمواله المنقولة وغير المنقولة بسبب مواقِفه في الدفاع عن الديمقراطية والحرية والعدالة وتَشَرَّدت عائلتَه الى خارج البَلَد بعد تهديدات ومُلاحقات أعوان النِّظام السابق، وكذلك أُعدِم إبنَه البِكر، أخي يوسف توما هرمز للأَسباب نفسها. وعلى الرغم من سنوات طويلة من المراجعات والطلبات والانتظار، ما زالت قضيتنا، شأنها شأن قضايا العديد من العائلات الآشورية الأخرى، دون حل نهائي أو تعويض عادل. فهل أصبح اكل الحرام في أيامنا هذه يُحتفَل ويُفتخَر به وكأنه مُحلَّلٌ من عند الله؟ أتمنى أَن لا يكون كذلك.

لقد كبرت وأنا أسمع قصص هذه الأراضي من والدي وأفراد عائلتي، وأشهد حجم المعاناة والإحباط اللذين رافقا محاولات استعادة الحقوق أو الحصول على تعويضات مُنصِفة من المؤسسات والدوائر المعنية. وعلى مدى سنوات طويلة، كان الأمل يتجدد مع كل وعد رسمي جديد، ثم يتلاشى مع كل تأجيل جديد. ولهذا فإن ما يدفعني إلى كتابة هذا المقال ليس الرغبة في إثارة الجدل أو تأجيج الخلافات، بل الشعور بأن الصمت والتعامل باحترام ومنح الثقة بوُعود السِّياسيين والمسؤولين في الحكومة لم يعد مجدياً على الإطلاق، وأن من حق الضحايا والمتضررين أن يرفعوا أصواتهم بعد عقود من الانتظار. كما أنني أؤمن بأن أي حديث عن التعايش والعدالة والمواطنة المتساوية، الذي يُروِّجه سياسيون في حكومة إقليم كردستان، يفقد جزءاً كبيراً من معناه عندما تبقى قضايا أصحاب الحقوق عالقة جيلاً بعد جيل دون حلول حقيقية. إن ما أكتبه هنا لا يُعبِّر فقط عن تجربة عائلتي، بل عن آلام ومآسٍ يشاركني فيها كثير من أبناء الشعب الآشوري الذين ما زالوا ينتظرون أن تتحول الوعود إلى أفعال، وأن تتحول العدالة من شعار سياسي إلى واقع ملموس.

قضية ملف أراضي الآشوريين:

على مدى عقود، ظلت قضية الأراضي والممتلكات الآشورية المُستَولَى عليها في إقليم كردستان واحدة من أكثر الملفات الحقوقية إهمالاً وتجاهلاً. منذ تأسيس الكيان الإداري الكردي في شمال العراق، سعت الأحزاب الحاكمة في إقليم كردستان إلى تقديم نفسها أمام العالم باعتبارها حامية للتعددية القومية والدينية، ومدافعة عن حقوق الأقليات والشعوب الأصلية وتعزيز التعايش السلمي في الإقليم. إلا أن هذه الصورة التي يجري تسويقها في المؤتمرات الدولية وأمام الوفود الأجنبية تصطدم بحقيقة مؤلمة على الأرض، تتمثل في استمرار واحدة من أقدم وأخطر القضايا الحقوقية في الإقليم: قضية الأراضي والممتلكات الآشورية المُستَولى عليها مِن دون أي تَعويض، التي ستبقى شاهدةً على الفجوة الواسعة بين الخطاب السياسي المعسول والواقع المؤلم على الأرض.

المشكلة اليوم لم تعد في غياب المعرفة بحجم القضية أو نقص المعلومات حولها، بل في غياب الإرادة السياسية اللازمة لمعالجتها. فملف الأراضي الآشورية ليس جديداً، والجهات الحكومية على دراية بالشكاوى والاعتراضات والوثائق التي قدمها المتضررون على مدى سنوات طويلة. ومع ذلك، لم تُتخذ إجراءات كافية تؤدي إلى إعادة الحقوق إلى أصحابها أو تعويضهم تعويضاً عادلاً ومنصفاً. هذه القضية ليست جديدة، وليست مجهولة بالنسبة للسلطات، وليست بحاجة إلى لجان جديدة أو دراسات إضافية. فكل ما يتعلق بها معروف ومُوثق ومطروح منذ عقود، ولذلك فإن السؤال الحقيقي في أذهان الآشوريين لم يعد: “هل تعرف حكومة الإقليم بوجود المشكلة؟” بل أصبح: “لماذا ترفض الحكومات المتعاقبة حلها؟”

الجواب الذي يتجنب كثيرون قوله بصراحة هو أن المشكلة ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة السياسية. فعلى مدى عشرات السنين، قدم آلاف الآشوريين شكاوى واعتراضات تتعلق بأراضٍ زراعية وقرى وممتلكات خاصة تعرضت للتجاوز أو الاستيلاء أو التغيير القسري في ملكيتها. وتشكلت لجان، وصدر عدد من القرارات والتوصيات، وعُقدت اجتماعات لا تحصى مع ممثلي المكون الآشوري. لكن النتيجة النهائية بقيت واحدة: الحقوق لم تعد إلى أصحابها، والتعويضات لم تُدفع، والملف بقي مفتوحاً بلا نهاية.

إن ما يثير الاستغراب ليس وجود النزاع بحد ذاته، فالنزاعات العقارية موجودة في كل مكان. إنما المثير للاستغراب هو أن قضية بهذا الحجم والأهمية ظلت مُعلَّقة لعقود رغم أن السلطة السياسية والأمنية والإدارية في الإقليم تتركز بيد الجهات نفسها تقريباً منذ سنوات طويلة. فإذا كانت الحكومة قادرة على فرض قراراتها في ملفات النفط والاستثمار والأمن والإدارة والانتخابات، فكيف تصبح عاجزة فقط عندما يتعلق الأمر بإعادة حقوق الآشوريين؟ إن استمرار هذه القضية لعقود دون حل لا يمكن تفسيره فقط بالتعقيدات القانونية أو الإدارية. فالحكومات التي تمتلك الإرادة السياسية الحقيقية تستطيع إيجاد حلول للقضايا الأكثر تعقيداً عندما تكون هناك رغبة جدية في تحقيق العدالة. أما عندما تبقى الملفات حبيسة الأدراج واللجان المؤقتة والوعود المتكررة، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول الأولويات السياسية الحقيقية للسلطات المعنية. هذا التناقض يكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: القضية ليست قضية عجز، بل قضية أولويات. فالسلطات في الإقليم أثبتت مراراً أنها قادرة على التحرك بسرعة عندما تكون هناك مصالح سياسية أو اقتصادية أو انتخابية على المحك. أما عندما يتعلق الأمر بإنصاف أصحاب الأراضي الآشوريين، فإن الإجراءات تصبح بطيئة، والوعود تتكرر، واللجان تتكاثر، بينما تبقى النتائج معدومة.

لقد تحولت اللجان الحكومية التي شُكلت لمعالجة هذه القضية إلى رمز للفشل السياسي أكثر من كونها أداة للحل. فكم لجنة شُكلت؟ وكم تقريراً كُتب؟ وكم وعداً أُطلق؟ وكم مسؤولاً تعهد بإنهاء الملف؟ وفي المقابل، كم أرضاً أُعيدت فعلياً إلى أصحابها؟ وكم عائلة حصلت على تعويض عادل؟ وكم قرية استردت حقوقها كاملة؟ الجواب الأكثر صدقاً هنا يكون ما يقارب الصفر تقريباً. إنَّ الكثيرَ من الآشوريين يَرَون أنَّ عجزَ حكومةِ الإقليمِ عن معالجةِ هذه الملفات قد لا يكون مجردَ تقصيرٍ، بل ربما يُمثِّل نهجًا ممنهجًا بحدِّ ذاتهه، يَسهَم في خلق مناخ معادٍ للحقوق القومية والتاريخية للشعب الآشوري. بصورة مباشرة أو غير مباشرة، للتَغطية على الإخفاق في إيجاد حلول حقيقية لهذه القضايا، فضلاً عن زيادة الضغوط على ما تبقى من الآشوريين ودفعهم إلى مغادرة وطنهم التاريخي والتخلي عن حقوقهم وأراضيهم. وهكذا تَحوَّلت المطالبات الآشورية بإعادة الأراضي والممتلكات أو تعويض أصحابها إلى اختبار حقيقي لمصداقية المؤسسات الرسمية. فكيف يُمكن الحديث عن حماية المكونات الأصيلة في الوقت الذي لا تزال فيه شكاوى أصحاب الأراضي تنتظر الإنصاف بعد عشرات السنين؟ وكيف يمكن الترويج لمبادئ المساواة وسيادة القانون بينما يشعر العديد من المتضررين بأن حقوقهم لا تحظى بالاهتمام الكافي أو المعالجة الجادة؟

إن الإجابات على هذه الأسئلة تفسر حالة الإحباط العميقة التي يعيشها أبناء الشعب الآشوري. الأخطر من ذلك أن قضية الأراضي لا تتعلق فقط بحقوق الملكية، بل ترتبط مباشرة ببقاء الوجود الآشوري نفسه في أرضه التاريخية. فالآشوريون ليسوا جالية وافدة ولا أقلية حديثة التكوين، بل شعب أصيل تعود جذوره في هذه المنطقة إلى آلاف السنين. وعندما يُحرم هذا الشعب من أراضيه الزراعية وقراه ومصادر رزقه، فإن النتيجة الطبيعية هي الهجرة والتفكك والانكماش الديمغرافي الذي نَشهد حدوثهُ حتى اليوم. ومن الصعب تجاهل العلاقة بين استمرار أزمة الأراضي وبين التراجع المستمر في أعداد الآشوريين داخل العراق عموماً وإقليم كردستان خصوصاً. فالهجرة لا تحدث بسبب الظروف الأمنية فقط، بل أيضاً بسبب فقدان الثقة بالمستقبل في ظل هذه الحكومة. وعندما يشعر المواطن بأن حقوقه يمكن أن تبقى مُعلَّقة لعقود دون إنصاف، فإنه يبدأ بالبحث عن حياة خارج وطنه، وقد يكون هذا هو هدف حكومة إقليم كردستان تجاه الآشوريين، وهذا ما يؤمن به كل آشوري سُلِب منه حقُّه. ورغم كل ذلك، تستمر حكومة الإقليم في استخدام خطاب حماية واحترام الأقليات كجزء من أدواتها السياسية والإعلامية. غير أن حماية الأقليات لا تُقاس بعدد المقاعد البرلمانية الرمزية، ولا بعدد الاحتفالات الرسمية، ولا بعدد التصريحات الدبلوماسية. بل تُقاس بمدى قدرة المواطن على استعادة حقُّه عندما يُسلب منه. فالعدالة ليست شعاراً، وإنما قرار سياسي صريح وصادق.

إن تجاهل هذه القضية لا يقتصر أثره على الجوانب المادية فقط، بل يترك جروحاً عميقة في علاقة الآشوريين بمؤسسات الحكم. فالأرض بالنسبة للشعوب الأصلية ليست مجرد ملكية عقارية، بل جزء من الهوية والذاكرة والتاريخ والوجود. وعندما تُنتزع الأرض أو يُحرم أصحابها من استعادتها، فإن الضرر يتجاوز الخسارة الاقتصادية ليصل إلى تهديد الارتباط التاريخي بالمكان. والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الواقع ساهم في تعزيز الشعور بالإحباط وفقدان الثقة بحكومة إقليم كردستان، ودفع المزيد من أبناء الشعب الآشوري إلى الهجرة من مناطقهم التاريخية. وهكذا، فإن عدم معالجة قضية الأراضي لا يهدد حقوق الأفراد فحسب، بل يهدد أيضاً مستقبل الوجود الآشوري في المنطقة التي عاش فيها أجدادهم لآلاف السنين. ولو كانت هناك إرادة سياسية حقيقية، لكان بالإمكان إنشاء هيئة مستقلة تمتلك صلاحيات كاملة لمراجعة جميع ملفات الأراضي المتنازع عليها خلال مدة زمنية محددة، وإصدار قرارات ملزمة للجميع، مع توفير صندوق حكومي للتعويضات في الحالات التي يتعذر فيها إعادة الملكية. لكن ما جرى طوال السنوات الماضية كان العكس تماماً: إدارة للأزمة بدلاً من حلها، وتأجيل للمشكلة بدلاً من معالجتها، وفي بعض الاحيان رغمأ عن صدور القرارات مِن قيادة حُكومة إقليم كردستان إلَّا إنها لم تُنَفَّذ مِن قِبَل المَسؤولين في الدَّوائر المَعنية لأسباب وحِجَج مُلتَوية. إن العدالة المؤجلة لعقود هي في نظر الكثيرين شكل من أشكال إنكار العدالة. ولذلك فإنَّ القادَة في حكومة إقليم كردستان مطالَبونَ اليوم بأكثر من التصريحات والوعود. المطلوب هو قرارات واضحة وملزمة، وإعادة الأراضي حيثما أمكن ذلك، وتعويض المتضررين تعويضاً عادلاً عندما تكون الإعادة مستحيلة، ومحاسبة كل من استفاد من التجاوز على حقوق الآخرين خارج إطار القانون.

إن أي حكومة تدَّعي احترام التعددية الحقيقية لا يمكنها الاستمرار في تجاهل هذا الملف. وأي حديث عن الديمقراطية والشراكة والمواطنة المتساوية سيبقى فاقداً للمصداقية ما لم يُترجم إلى عدالة فعلية على الأرض. لقد انتظر الآشوريون طويلاً. وانتظرت العدالة أكثر مما ينبغي. وكل يوم يمر من دون حل حقيقي لهذه القضية لا يمثل مجرد تأخير إداري، بل يمثل فشلاً سياسياً وأخلاقياً جديداً يضاف إلى سجل الحكومات المتعاقبة في إقليم كردستان. إن استمرار هذا الملف دون حل يبعث برسالة سلبية جداً للشعب الآشوري مفادها أن حقوق المكونات الأصيلَة يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى. إنَّ إغلاق هذا الملف بصورة عادلة وشفافة سيكون دليلاً حقيقياً على احترام القانون والعدالة والمساواة. وحتى يحدث ذلك، ستبقى قضية الأراضي الآشورية مثالاً صارخاً على إخفاق سلطات الحكومة الكردية في معالجة أحد أقدم وأهم الملفات الحقوقية في الإقليم. أنَّ هذا الإخفاق المُجحِف يَدفَع الشعب الآشوري إلى فقدان الثقة والاستياء تجاه حكومة إقليم كردستان ما دامت سياساتها وممارسات مؤسساتها الإدارية والقضائية لا تضمن له الإنصاف الكامل، وتؤدي إلى الانتقاص من حقوقه بآليات يُنظر إليها على أنها تفتقر إلى الاحترام المتبادل وتثير مشاعر التهميش والإحباط وسَلب الإرادة.

في النهاية يبقى السؤال الوَجيه الذي لم تجب عنه السلطات حتى اليوم: هل تَتَوقَّع حكومة إقليم كردستان بأن يَسكُت المَظلوم عن حَقِّه الذي سُلِب مِنهُ؟ هل هذه هي رسالة السُلطة الحاكمة للشعب الآشوري؟ إذا لم يكن الوقت قد حان الآن لإعادة الحقوق إلى أصحابها أو تعويضهم عنها، فمتى يكون؟ ومَن مِن السياسيين في السلطة في حكومة إقليم كردستان سَيتجرَّأ بإرادة صادقة ويُنهي معاناة الشعب الآشوري بخصوص مَلفَّه المُعلَّق بشأن أراضيهِ ومُمتلكاتهِ؟ هل هناك من أحد على الاطلاق؟ هل هناك أحد ببَسالة الشهيد الشيخ عبدالسلام البارزاني، الذي دافع بضراوة عن الآشوريين من بطش الأخرين؟ هل من أحد، ام ماذا؟.

zowaa.org

menu_en