لعبت المرأة دوراً محورياً في حضارة بلاد الرافدين، فلم تكن مجرد تابعة للرجل، بل كانت فاعلة في مجالات الحكم، والدين، والأدب، والعلم. وتكشف المصادر الأثرية والنقوش المسمارية عن العديد من الأسماء النسائية التي تركت بصماتها في مجرى التاريخ القديم.
في مدينة أور خلال القرن السادس والعشرين قبل الميلاد، برزت الأميرة بو-آبي، المعروفة أيضاً باسم شبعاد، كإحدى أبرز نساء العصر السومري. وقد كشفت مكتشفات قبرها الفاخر عن مكانتها الرفيعة في المجتمع. كما برزت الأميرة شاشا، زوجة الحاكم أوروكاجينا، الذي عُرف بإصلاحاته الاجتماعية في مدينة لكش السومرية عام 2355 ق.م.
ومن الأسماء اللافتة أيضاً، الأميرة باو، حاكمة مدينة كيش قرب بابل في مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، وتُعد من أوائل النساء اللائي حملن لقب “حاكم” في تاريخ بلاد الرافدين.
ولم يقتصر دور المرأة على المجالين الاجتماعي والديني، بل امتد إلى الحكم والسلطة. فقد كانت لهن حقوق في وراثة الأرض والعرش، كما في حالة سميراميس، زوجة الملك الآشوري شمشي-أدد الخامس (824–811 ق.م). وعند وفاة زوجها، تولت الحكم نيابة عن ابنها، وأدارت شؤون الإمبراطورية وحققت انتصارات عسكرية، مضيفةً أراضٍ جديدة إلى مملكة زوجها.
وفي المجتمع الرافديني، حملت بعض النساء لقب “السيدة – نين”، وهو لقب يدل على مكانة عالية، حيث كن يتمتعن بسلطة اتخاذ القرارات المصيرية، وحل النزاعات، وتوفير الحماية أو رفعها. كما لعبت بعض النساء أدواراً ثقافية بارزة، مثل إنهيدوانا، الشاعرة والكاهنة الأكدية وابنة الملك سرجون الأكدي (2334–2279 ق.م)، والتي تُعد أول مؤلفة في التاريخ البشري. وقد ساهمت في ترسيخ سلطة والدها من خلال توحيد العقائد الدينية في أنحاء الإمبراطورية.
ولا يمكن إغفال دور تابوتي، سيدة القصر البابلية، التي تُعد أول مهندسة كيمياء معروفة في التاريخ. اشتهرت بصناعة العطور الملكية، وكانت مسؤولة عن إعداد الزيوت والمراهم الطبية، وفقاً لما ورد في أحد الألواح المسمارية حوالي عام 1200 ق.م. وقد حملت لقب “بيليت إكالم”، أي “سيدة القصر”، وعملت مع معاونتها نينا في إدارة شؤون العطور والزيوت داخل القصر الملكي.
تشكل هذه النماذج النسائية دليلاً قاطعاً على الحضور الفاعل والمؤثر للمرأة في حضارة بلاد الرافدين، حضارة كانت المرأة فيها صانعة للتاريخ، لا مجرد شاهدة عليه.
- بقلم: زياد الدليمي – خبير آثار مختص

