زوعا أورغ – متابعة
صدر أخيرا كتاب جديد للآثاري عامر عبد الرزاق، بعنوان: “العراق.. أصل الأرض وجذورها”/ رحلة عامر عبد الرزاق لتنقيب أسرار الأعماق.
ويُعتبر المؤلف والباحث والآثاري عامر عبد الرزاق أحد الأصوات البارزة في إحياء التراث الإنساني وكشف خفايا الحضارات القديمة.
ومن خلال كتابه هذا “العراق أصل الأرض وجذورها”، يأخذنا في رحلةٍ مشوقة بين صفحات الماضي، حيث تمتزج المعرفة العميقة بالسرد الشيق، ليكشف لنا عن محطاتٍ مفصلية في تاريخنا الإنساني. هذا الكتاب ليس مجرد عمل بحثي، بل هو جهد توثيقي يهدف إلى جمع وإعادة إحياء أبحاث ودراسات قدمها الكاتب في مؤتمرات جامعية ومنشورات علمية، قامت منظمة صوت الجنوب مشكورةً بتجميعها وإصدارها في كتاب واحد. في هذا المقال، سنتناول بالتفصيل المحاور التي تطرق إليها الكتاب، ونستعرض كيف استطاع أن يسلط الضوء على الإرث الحضاري للعراق القديم، من الطب إلى الفلك، ومن المرأة إلى القوانين، لنفهم كيف أن هذه الحضارات لم تكن مجرد أمم بائدة، بل جذورٌ راسخة للحضارة الإنسانية جمعاء.
محتوى الكتاب: استكشاف الحضارات العراقية القديمة
ينقسم الكتاب إلى مجموعة من المحاور التي تغطي مختلف جوانب الحياة في العراق القديم، بدءًا من الطب والصحة، مرورًا بالآثار والمتاحف، وصولًا إلى الفلك والتقاليد الاجتماعية.
- وثيقة الرعاية الصحية في العراق القديم
يعود بنا الكاتب إلى أكثر من 5000 عام ليستعرض كيف كان الطب في الحضارات العراقية القديمة متقدمًا بشكل مدهش. فمن خلال الوثائق والرقم الطينية، نجد أن العراق لم يكن فقط موطنًا للأطباء، بل كان هناك تخصصات طبية دقيقة تشمل الجلدية، وطب العيون، وأمراض النساء، وهي أمور لم تكن شائعة في الكثير من الحضارات الأخرى في تلك الفترة. كما يتناول الكتاب العلاجات الطبية المستخدمة آنذاك، والتي كانت تعتمد على خلطات عشبية متنوعة، بعضها من أصول عربية وأخرى مستوردة من مناطق بعيدة، مما يعكس تطور علم الصيدلة لديهم.
- متحف الناصرية العالمي والمواقع الأثرية في ذي قار
لا يمكن الحديث عن تاريخ العراق دون التطرق إلى المواقع الأثرية الغنية في ذي قار، والتي تعد مهد الحضارات السومرية والأكدية. يسرد الكاتب في هذا المحور تفاصيل حول متحف الناصرية العالمي، الذي يحتضن قطعًا أثرية نادرة تعود لعصور مختلفة، موضحًا أهميته في حفظ التراث العراقي من الضياع. كما يناقش بعض المواقع الأثرية المهمة في ذي قار، مثل أور، وإريدو، ولاجش، والتي كانت مراكز إشعاع حضاري منذ آلاف السنين.
- المرأة في العراق القديم: دورها وقيمتها المجتمعية
من أبرز المحاور التي تناولها الكتاب، البحث في مكانة المرأة في العراق القديم، حيث يكشف الكاتب عن الأدوار المهمة التي لعبتها النساء في مختلف جوانب الحياة، سواء في المجتمع أو في القانون. فقد أظهرت الدراسات أن المرأة العراقية القديمة لم تكن مجرد فرد تابع، بل كانت قاضية، وكاتبة، وكاهنة، ومهندسة. كما يناقش القوانين التي كانت تنظم حياتها في المجتمعات السومرية والبابلية، والتي سبقت بكثير ما نعرفه عن حقوق المرأة في بعض الحضارات الحديثة.
- ريادة العراقيين في علم الفلك
يستعرض الكاتب كيف كان العراقيون القدماء الرواد الأوائل في علم الفلك، حيث أنهم لم يكتفوا فقط بمراقبة النجوم، بل توصلوا إلى إثبات ظواهر فلكية مثل خسوف القمر وكسوف الشمس، ووضعوا أسماء للكواكب التي ما زالت تُستخدم حتى يومنا هذا. كما يوضح كيف ساهمت اكتشافاتهم الفلكية في بناء تقويم دقيق استخدموه في تحديد مواعيد الزراعة والأعياد الدينية.
- أعياد رأس السنة في العراق القديم وتأثيرها على ثقافتنا اليوم
يناقش الكتاب كيف أن بعض العادات والتقاليد التي نمارسها اليوم تعود في أصلها إلى الحضارات العراقية القديمة. فعلى سبيل المثال، العديد من رموز أعياد رأس السنة التي نحتفل بها الآن مستوحاة من الممارسات البابلية والسومرية، حيث كان العراقيون القدماء يحتفلون برأس السنة بطريقة خاصة تشمل الطقوس الدينية والمسيرات الاحتفالية.
- العادات والتقاليد ذات الجذور الرافدينية
يبحث الكاتب أيضًا في الممارسات اليومية التي ما زالت موجودة في المجتمع العراقي الحديث، والتي تعود إلى الأصول الرافدينية القديمة. بعض هذه العادات ترتبط بالمناسبات الاجتماعية، والأخرى ترتبط بالاحتفالات الدينية أو طرق الضيافة والتعامل مع الضيوف، مما يعكس استمرارية الحضارة العراقية عبر العصور.
رسالة الكتاب: تعزيز الهوية الوطنية وصناعة الوعي التاريخي
لا يهدف الكاتب فقط إلى تسليط الضوء على الإنجازات الحضارية للعراق القديم، بل يسعى أيضًا إلى ترسيخ الهوية الوطنية وربط الجيل الحالي بجذوره التاريخية. ففي بلدان المهجر، يُطلب من المهاجرين الخضوع لاختبارات للحصول على جنسية البلد الذي يقيمون فيه، وهذا ما يراه الكاتب ضرورة ملحّة أيضًا داخل العراق. فالمعرفة العميقة بالتاريخ والحضارة ليست مجرد معلومات، بل هي أساس لصناعة مواطن واعٍ بقيمة وطنه وموروثه الثقافي.
الأسلوب السردي المميز في الكتاب
تميز الكاتب بأسلوب سردي قصصي مبسط، يجعل الكتاب في متناول القارئ العادي، وليس فقط الباحثين والأكاديميين. فهو يدرك أن هناك العديد من الكتب الأكاديمية التي تتناول هذه الموضوعات، لكنها غالبًا ما تكون صعبة الفهم على غير المتخصصين، لذا اختار أن يقدم معلوماته بأسلوب شيق وسهل، يجمع بين الدقة العلمية والمتعة في القراءة.
أهمية قراءة هذا الكتاب
يوصي الكاتب بقراءة مجموعة من الكتب التاريخية المهمة إلى جانب كتابه، مثل “ألواح سومر”، و”مقدمة في تاريخ الحضارات” (الجزء الأول)، و”سومر: أسطورة ولحمة”، و”عظمة آشور”، والتي تقدم رؤية أعمق عن الحضارات العراقية القديمة وتأثيرها على العالم. كما يلمّح إلى أنه يعمل على مشاريع مستقبلية، من بينها جزء ثانٍ للكتاب سيتناول مواضيع جديدة مثل الموسيقى في العراق القديم والمشاركة العراقية في عمليات التنقيب الأثري.
ختامًا
يعد “العراق أصل الأرض وجذورها” كتابًا غنيًا بالمعلومات والتفاصيل التاريخية، وهو إضافة مهمة لأي قارئ يرغب في فهم عمق الحضارة العراقية وتأثيرها الكبير على الإنسانية. فمن خلال هذا العمل، يثبت الآثاري عامر عبد الرزاق أن العراق ليس مجرد بلد عابر في التاريخ، بل هو المهد الذي انطلقت منه أقدم الحضارات وأثرت في العالم بأسره.