لا شكّ أنّ المرحلة التي سبقت انبثاق الحركة الديمقراطية الآشورية كانت من أكثر المراحل غموضًا وإبهامًا، سواء على مستوى قضيتنا الآشورية بصورة خاصة، أم على مستوى القضية الوطنية بصورة عامة. فقد اتّسمت تلك الحقبة بحالة من الضبابية السياسية، وانعدام الرؤية الواضحة لمستقبل شعبنا، في ظل سياسات القمع والتهميش التي فرضها النظام الحاكم، وما رافقها من محاولات مصادرة الوعي الوطني وتشويه تطلعات الجماهير.
إلا أنّ سلسلة المتغيرات التي شهدتها الساحة الوطنية، وما رافقها من تفاعل القوى الوطنية في مجابهة المعضلات السلبية التي أفرزها النظام، حملت في جوهرها سمات التحدي والمواجهة. وقد أتاحت هذه المتغيرات لحركتنا أن تؤدي دورها الإيجابي والفعّال، فجاءت مشاركتها في التفاعلات السياسية داخل المجتمع الآشوري لتوحيد هذه التفاعلات وتنظيمها، بحيث تقف الحركة كقوة وطنية فاعلة داخل المجتمع العراقي، وتتفاعل مع سائر الأطراف الوطنية من أجل عراق موحّد وطموح.
لقد وُلدت الحركة الديمقراطية الآشورية وسط أحداث ومتغيرات مميّزة ومتلاحقة، ووجدت في ذاتها توفّر الشروط الموضوعية والذاتية للمشاركة في فك رموز المواجهة الوطنية. فانخرطت بكل فصائلها في النضال السياسي والوطني، ساعية إلى مكافحة خطوط الخيانة والاستسلام، ورافضة السياسات التي هدفت إلى نشر الفرقة بين أبناء الشعب العراقي، وزرع الشقاق بين قومياته ومكوّناته.
ومن هذا المنطلق، أكّدت الحركة أنّ فوهة البندقية وحدها لا يمكن أن تلبّي طموحات الشعب العراقي بقومياته المختلفة، تلك الطموحات التي تتجسّد في بناء الديمقراطية الحقيقية، وتحقيق العيش المشترك بسلام، بعيدًا عن التحالفات الدولية المشبوهة التي تحاول الإمبريالية وأعوانها فرضها على المنطقة. ومما يعزز هذه الحقيقة القرارات غير المسؤولة التي اتخذها النظام الحاكم، والمعايير التي حكمت وجود تلك التحالفات، بهدف ضمان بقائه وتنفيذ نوايا أسياده الإمبرياليين.
لقد دخلنا هذا الجو الوطني لنكون إخوة حقيقيين وشركاء صادقين في النضال السياسي داخل المجتمع العراقي، مؤمنين إيمانًا راسخًا بأننا جزء لا يتجزأ منه. وقفنا كما وقفنا في الماضي ضد الاستعمار والتبعية، وضد أية تغييرات يرسمها النظام الحاكم بمساعدة وتوجيه القوى الإمبريالية، والتي تهدف إلى تفتيت المجتمع العراقي، وزرع الفتن بين قومياته التي عاشت عبر قرون طويلة في تفاعل تاريخي مشترك، وعلى أرض واحدة، دفاعًا عن استقلالها الوطني وصيانته.
وفي المقابل، دأب النظام الحاكم على تجاهل المكانة السياسية للأطراف الوطنية الأخرى، وسعى عمدًا إلى تصويرها كحركات انعزالية، غير مؤمنة بضرورة الانطلاق من تصور وطني قائم على التكاتف والتضامن بين أبناء الشعب العراقي. بل قدّم نفسه باعتباره صاحب القرار الأوحد في جميع القضايا، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية، وزيادة التوتر السلبي الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة الفرد العراقي وأوضاعه المعيشية.
وحتى ما طُرح في مرحلة معينة من تاريخ النظام تحت عنوان الوفاق السياسي، لم يكن وفاقًا صميميًا نابعًا من قناعة حقيقية، بل جاء منطلقًا من حسابات ظرفية ضيقة، وكانت نتائجه تعميق حالة التنافر، وزيادة سلبية الأوضاع السياسية والاقتصادية داخل المجتمع.
إنّ التكاتف السياسي، من خلال توحيد كافة القوى الوطنية والتقدمية في المجتمع العراقي، لا يُعدّ خيارًا ثانويًا أو تكتيكًا مؤقتًا، بل هو انتصار حقيقي يكشف عن إمكانيات واقعية قادرة على إحباط مخططات الإمبريالية والرجعية التي تستند إليها السلطة الحاكمة. وإذا كانت حركتنا قد نجحت في تجاوز الكثير من الصعوبات والعقبات في مسيرتها النضالية، فإنّ ذلك لم يكن سهلًا بأي حال، في ظل نظام قمعي مدعوم من قوى إمبريالية ورجعية سعت بكل الوسائل إلى دفع الجماهير الآشورية للتخلي عن النهج الذي اختارته، وعن الثوابت القومية والوطنية التي تبنّتها.
غير أنّ التحام الحركة الديمقراطية الآشورية بالحركات السياسية الوطنية الأخرى شكّل ضربة قوية للسلطة الحاكمة، حيث وقف الآشوريون درعًا حصينًا إلى جانب الأحزاب الوطنية والتقدمية. وقد امتزجت أفكار الطليعة الثورية الآشورية في المدن والريف بمفاهيم جديدة وخطط نضالية سليمة، قائمة على الإيمان العميق بالتلاحم الوطني، والوقوف بصلابة في وجه محاولات التفكيك والانقسام داخل المجتمع العراقي.
لقد ساد بين صفوفنا شعور راسخ وإيمان مطلق بأننا أبناء الشعب الآشوري الأصيل، وجزء لا يتجزأ من الشعب العراقي بجميع قومياته. ومن هنا كان واجبنا التاريخي أن نعمل على التكاتف لخدمة الوطن، لأن القضية واحدة، والعدو واحد، لا يفرّق في قمعه وجرائمه العسكرية والسياسية بين هذا وذاك.
وبذلك نقاتل جميعًا في خندق واحد، هو خندق الدفاع الوطني، دفاعًا عن الاستقلال والتآخي الوطني. إنّ هذا المسلك النضالي لا يمكن الحياد عنه مهما كانت التضحيات، وسنواصل التفاني والإخلاص في السير على هذا الدرب، حتى نتمكّن من تقديم دمائنا وأرواحنا، كآشوريين أصيلين، فداءً لوطننا الحبيب.
* من محاضرات الشهيد الخالد يوبرت بنيامين احد القادة المؤسسين لحركتنا الديموقراطية الآشورية
الجريدة المركزية للحركة الديمقراطية الآشورية – زوعا العدد (16) من جريدة بهرا – ܒܗܪܐ
الصادر في أيلول 1986 فترة الكفاح المسلح
