مقال اعده لجريدة بهرا – ܒܗܪܐ الفقيد الأديب والقيادي في الحركة الديموقراطية الآشورية الملفان يونان هوزايا ونشر في العدد ٦٦ كانون الاول ١٩٩٥ نعيد نشره لتسليط الضوء على حياة شخصية آشورية مناضلة قدمت حياتها من اجل القضية القومية لشعبنا بهدف تعريفها بالجيل الآشوري الحالي.
فريدون أثورايا .. عبقرية اشورية في الذاكرة
يونان هوزايا
في حياة كل امة اشخاص يظهرون، بين جيل وجيل، انهم أولئك الذين يضعون بصماتهم على مسيرة تلك الأمة، يقومون مسيرتها ويقودونها الى مرفأ العز والشموخ.. ومسيرة الأمة – أية أمة – تتركب من هذه روافد، ونهر الأمة الأشورية تصب فيه روافد خالدة، ولكل منها تأثيره على مجرى التاريخ في المنطقة !!.. ونعني بتلك الروافد العناصر المكونة للهوية القومية من تاريخ وتراث ولغة ومعارف وانجارات مدنية متطورة.. وهي مجتمعة – اي نهر الأمة – كونت حضارة، انتهلت ولا تزال البشرية منها.. من هؤلاء الرجال من نبغ في رافد ما .. ومنهم من نبغ في مجالات عدّة و (رافدنا ) في هذا المقال، قد نبغ وأعط في العقل السياسي الاستراتيجي، بشكل ملفت للنظر، مما جعل العديد من محللي السياسة ودارسي عصره، ومراقبي نتكوين وتطور الحركة القومية الآشورية، جعلهم يضعون (فريدون أثورايا) في قمة الهرم وبأهمية جيل الرواد، جماعة الشهيد المطران توما اودو – ان صح التعبير (١) واحد أولائك المحللين هو روبرت قليتا (الأستاذ بجامعة الينوي)، والذي يقسم مسيرة الحركة القومية الآشورية إلى ثلاثة مراحل:
الأولى ( 1892 – 1914 ) والثانية ( 1915 – 1933 ) والأخيرة (بعد ثورة سميل الى يومنا ..) (٢) حيث يضع 1892 كنقطة أشعاع هامة في تبلور الفكر القومي على يد جيل الرواد من مار توما اودو وآخرين، أما بداية المرحلة الثانية 1915 فيحددها بالقرار الآشوري في دخول الحرب بجانب الحلفاء.
حياته
ولد فريدون بت أوراهم أثورايا في قرية (جار بش) من أعمال أورميا في ١٨٩١.
– توفيت والدته، وهو لا يزال غصناً طرياً، فأنتقل مع والده الى (تبليس) في جورجيا، حيث يعيش خاله.
– أنهى دراسته الثانوية والأعدادية بتفوق وتميز، وقبل في الدراسة الطبية في جامعة (ساراتوف) في مدينة (خاركوف).
* في ١٩١٥ نال الوسام الذهبي لتفوقه على زملائه ونيله شهادة البكلوريوس في الطب.
– انضم إلى المدرسة العسكرية في (بترو غراد)، وتخرج ليلتحق بالجيش الروسي برتبة ضابط طبيب.
* هزم في جنوب القفقاز إذ أدار المستشفى العسكري في مدية (خوي) الأيرانية.
استشهد في ١٩٢٦ على يد المخابرات الروسية (KGB)*
مشروع فريدون آثورايا
تقسيم (روبرت قليتا) يضع (آثورايا) في نهاية المرحلة الأولى وعلى اعتاب الثانية، وهي فترة نضوجة الفكري
والسياسي والعسكري وحتى الإستراتيجي.. هذا النضوج الذي جعله يفكر بمشروعه الكبير الذي قد يكون صورة اخرى لمشروع الجنرال آغا يطرس، حيث يشترك المشروعان بأهم عنصرين آنذاك:
١ – حسابات الشعب على ارض اجداده، اذ كان المشروعان يدعوان الى نوع من الحكم الذاتي للآشوريين في مقاطعات (الموصل – بوتان – طور عبدين – اكاري – اورميا ).
٢ – حسابات البحار، حيث ان المشروعين كانا يبحثان عن نافذة للأطلال على البحر، فاذا كان (آغا بطرس) يفكر بالبحر المتوسط فأن (آثورايا) قد فكر بالبحر الأسود.. وفكرة النوافذ البحرية، فكرة عسكرية بحته اسس عليها خيرة الستراتيجيين في بدايات هذا القرن، لذا وضع اثورايا اللبنة الاولى لمشروعه هذا ، عندما شيد القرية المعروفة ب ( ܐܘܪܡܝܐ ܚܕܬܐ – اورميا الجديدة) على السواحل الشرقية للبحر الاسود.
آثورايا اديباً
ولا يزال طالباً في الكلية، انتج فريدون آثورايا قصائد واناشيد ما لبثت واصبحت اغانٍ لا تبرح الشفاه، ليس لدى الجاليات الآشورية الروسية فقط، وانما لدى بني قومه في الوطن – بيث نهرين – ايضا. وقد نشرت مجلة ( ܟܘܟܒ݂ܐ – النجم ) الصادرة في أورميا العديد من مقالاته واشعاره. كما ونشرت مجلة ( ܢܩܘܫܐ – الناقوس) التي كان يديرها في (تفليس) كتاباته واراءه .. والتي منها: ( ܝܐ ܢܫܪܐ ܕܐܬܘܪ – يا نسر آثور ) والتي اشتهرت ب ( ܝܐ ܢܫܪܐ ܕܬܚܘܡ̈ܐ )، ( ܨܠܘܬܐ ܕܡܠܬ – صلاة الشعب)،
( ܒܠܒܛܐ ܩܕ݇ܡܝܐ – البصيص الأول)، ( ܕܝܢܐ ܕܕܕܒ݂̈ܐ – حاكم الذباب ).
آثورايا سياسياً
في شباط ١٩١٧، ساهم مع ( رابي بنبامين بيت ارسانيس ) و( د.بابا بيت فرهاد ) في تأسيس اول أحزب سياسي قومي (الحزب الأشتراكي الآشوري)، وهناك وثائق بخط يده وباللغة الآشورية محفوظة في ارشيف الخارجية الروسية تعود الى نيسان ١٩١٧، تدعو الى حكم ذاتي للآشوريين ضمن روسيا الكبرى.. وفي نفس العام نشر ( بيان اورميا ) بالآشورية وثم في ٢٨ حزيران ١٩١٧ بالروسية يدعو فيه الى تأسيس ( آثور الحرة الموحدة ).. (٣)
ترأس المجلس القومي الآشوري في ١٩١٨، وفي ١٩٢١ التقى وزير الخارجية الروسي، اذ طرح مشروعه والوضع الآشوري، الا ان اللقاء لم يثمر عن نتيجة تذكر !!
وثم … اعدم :
في ( ١٩٢٥ )٤ القت ( KGB ) القبض عليه بتهمة التجسس لحساب الأنكليز !! بكل جرأة واقدام، حرر (آثورايا) رسالة احتجاج وهو قابع خلف القضبان الى المحكمة الروسية العليا، وسمها : ( كوني جاسوساً مكيدة دبرها الأعداء ) ضمن الرسالة في ٢٤ جملة، تؤكد براءته من التهمة، حيث يؤكد انه ليس الا آشوري يحب قوميته، كما يطلب الحرية والنجاح لروسيا الكبرى … كما وثبت في الزاوية اليمنى من اعلى الرسالة جملة تقول: ( لتوثق نماذج الافتراءات والخدع )، ومع ذلك نفذ اعدم فريدون اثورايا في ( ١٩٢٦ )٥.
سيبقى د. فريدون آثورايا في كل الضمائر الحية، من بني جنسه وكل الذين خدمهم بمهنته الأنسانية، وكشهيد لقضية حرية الأنسان.
شاهد عيان :
شهادة يثبتها ( ايليا فارتانوف ) عن والده الذي عاصر (فريدون) .. ننقل عنها:
«.. هذا الأنسان كان الأكثر علماً ومعرفة بين الآشوريين، والمدافع الحقيقي عن حقوقهم .. الكل كان يعرفه، يتحسس نبوغه، وعقله النير، كشاعر غنى الشعب اغانيه، واصبحت (نسر تخوما) على كل الألسنة .. اتذكر وجهه .. روحانياً غير عادي، لم يكن ليخاف اي شيء .. ولم يكن ساكتاً عن الظلم .. وشهرته الواسعة ونبوغه جعلت البعض يحسدونه !.. ومثله انذاك لم يكن ليعيشوا، لذا دبروا له مكيدة، واتهموه بالخيانة !!.. ).
رائعة ( آثورايا ) :
ܝܐ ܢܫܪܐ ܕܬܚܘܡ̈ܐ .. أو ܝܐ ܢܫܪܐ ܕܐܬܘܪ رائعة الدكتور فريدون آثورايا .. تلك التي تغنت بها الحناجر وتناقلتها الألسن كقصيدة وكنشيد لأرتباطها الصميمي بمعاناة الشعب، وصدق الحالة لبساطة الكلمات وخفة الوزن. وانتشرت بشكل ملفت للنظر، وأداها ولايزال يؤديها أبناء شعبنا في الوطن والمهجر، نقتطف منها :
ܝܐ ܢܫܪܐ ܕܬܚܘܡ̈ܐ
ܡܠܟܐ ܕܓܘ ܛܝܪ̈ܐ
ܦܬܘܚܠܗܘܢ ܓܘܠܦܢܘܟ݂
ܕܦܪܚܢ ܠܛܝܪ̈ܐ
ܦܪܩܢ ܠܡܠܬܝ
ܐܬܘܪ ܥܬܝܩܬܐ
يا نسر (تخوما) يا ملك الطيور
اطلق جناحيك لأحوم فوق ( طياري )
من اربيل والموصل وكلا ال ( بروارى )
لأنقذ امتي آثور العريقة.
الهوامش
* كانت تسمى المخابرات الروسية انذاك (NKBD).
(١) طالع (المجلة الأكاديمية الآشورية)، العدد /١٩٩٤/١ التي تصدر في شيكاغو بالآشورية والإنكليزية.
وكذلك طالع مجلة (ملثا)، العدد /١٩٩٥/١ التي تصدر في موسكو بالأنكليزية.
(٢) التقسيم المذكور يتم بالموضوعية، الا ان اطلاق المرحلة الثالثة مفتوحة يدعو الى التساؤل عن مرحلة رابعة وتلك هي تجربة (زوعا) في الأدارة وفي حكومة اقليم كردستان – العراق.
(٣) لازالت الوثيقة محفوظة ضمن وثائق الخارجية الروسية (المكتب الفارسي).
(٤) قد تكون المصادر المتيسرة غير دقيقة لأعتماد احدها على الأخر، فمعظمها ذكرت سنة استشهاده ١٩٢٥ ، الا ان مجلة (ملثا) الروسية قد تكون ادق لتوفرها على وثائق هامة، فقد ارخت استشهاده في ١٩٢٦.
(٥) ويروى على لسان بعض مهتمين: ان المكيدة قد دبرت من قبل احد المقربين من رئاسة الكنيسة النسطورية – في حينها – من خلال رسالة موجهة للشهيد ثورايا من لندن ومن ثم الوشاية لدى ال (K.GB) حول علاقات مزعومة له مع جهات
خارجية انكليزية !
(٦) ترجمة القصيدة ماخوذة من جريدة (بهرا) العدد (١٢).
المصادر
(الاشوريون في سيبريا) كتاب الروسية (١٩٩٤) تأليف: ايلي فارتانوف.
– جريدة (بهرا).. جريدة (زوعا)-(العدد ١٢) .
– مجلة (نجم بيث نهرين) / للمركز الثقافي الآشوري – دهوك العدد (١١).
– (مجلة الأكاديمية الآشورية) تصدر في شيكاغو بالآشورية والإنكليزية العدد ١٩٩٤/١ .
– مجلة (ملثا) الآشورية الروسية وتصدر بالانكليزية العدد / ١ / ١٩٩٥.
– التاريخ المختصر للأدب الآشوري الحديث (بالآشورية) للقس شموئيل دنخا – كاليفورنيا
(١٩٩١).




