زوعا اورغ/ وكالات
في المرة الأولى التي قامت بها مجموعة من مقاتلي الدولة الإسلامية بزيارة الرهبان، قدموا لهم نوعاً من الاقتراحات بطريقة لا تخلوا من التهديد، “لماذا لا تصبح مسلماً؟”. وبالفعل شعر الرهبان الأربعة في دير مار بهنام السرياني الكاثوليكي القديم الواقع في منطقة الخضر قرب الموصل في العراق أنهم تحت الحصار. وكان قبل ذلك بعشرة أيام، في 10 حزيران عام 2014، قد مرَّتْ 5 مركبات محملة بالمسلحين عبر الطريق السلمي المؤدي الى دير مار بهنام مُعلنين من خلال مكبرات الصوت سيطرة الدولة الإسلامية على المنطقة. وكان الجيش العراقي، ليس بوقت طويل قبل ذلك، قد انسحب من نقطة التفتيش القريبة من الدير الواقع جنوب شرق الموصل.
كثفَ الإرهابيون زياراتهم خلال الأسابيع القليلة التي تلت مع ضجيجهم الدائم على أبواب الدير متهمين الرهبان بأنهم كُفّاراً.
قال الأب الكاثوليكي يوسف ساكات، الذي كان رئيساً للدير، بصراحة كنا أكثر من خائفين. لكن الرهبان تابعوا روتينهم اليومي المعتاد بالصلاة وإقامة القداس في الدير الذي يعود تاريخه الى القرن الرابع الميلادي. وصّلوا طلباً للحماية من خلال شفاعة القديس بهنام، شهيد الإيمان. وقال الأب ساكات لوكالة خدمة الأخبار الكاثوليكية، كنا في المكان المباركة، مع العلم أن أجيالاً من المسيحيين السريان الكاثوليك قد واجهوا أيضاً الإضطهاد وما يزال الإيمان ثابتاً بالرغم من كل ذلك. وأضاف، تم بناء الدير من قِبل السكان المحليين، حجراً بعد حجر، وأنا متأكداً أنهم كانوا قد وضعوا قلوبهم في عملهم، وأشعر أن بناء الدير تم بالحب.
ازدهر الدير تحت اشراف الأب ساكات منذ عام 2012، وكان يستقبل حوالي 250 زائراً في أثناء عطل نهاية الاسبوع – حتى من جميع أنحاء العالم – للرجوع والسكن بهدف مساعدة الناس على فهم الحياة الرهبانية بشكل أفضل. وكان الرهبان يُشاركون الأطفال في أنشطة دينية حيوية، وأردنا أن نبين لهم أن دير مار بهنام هو بيتهم أيضاً.
وكان هناك صديقاً مسلماً يثق به الرهبان، ويجلب لهم الأخبار ويُبقيهم على علم بالوضع المتدهور. ولكنه هو نفسه أصبح خائفاً، إذ قال للكاهن: أنا آسف أبتي لم يعُد بإمكاني القدوم الى الدير، أنا مُراقب وأصبح الوضع خطيراً جداً. إنهم يُريدون قتلك.
وطوال الوقت، كان الأب ساكات يشعر بقلق عميق عن كيفية حفظ وحماية الكؤوس والأسرار المقدسة ومجموعة المخطوطات الدينية الواسعة الموجودة في الدير من التدمير الذي لا مفرَّ منه على أيدي المسلحين.
كُتِبتْ المخطوطات (630 مخطوطة)، التي يرجع تاريخها الى ما بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر، بعدد من اللغات، بما فيها السريانية واليونانية والفرنسية واللاتينية.
حاول الأب ساكات مرتين الخروج بالسيارة بقصد نقل المخطوطات الى بلدة قرقوش التي تبعد تسعة أميال. وفي كل مرة يُخبره المسلحين عند حاجز تنظيم الدولة الإسلامية بالقرب من الدير بعدم السماح له أخذ أي شيء من الدير. وفي محاولته الثالثة، قالوا له إنها لا تخصك وأمروه بالعودة الى الدير. وقالوا، إذا رأيناك خارجاً فسوف نقتلك. وأضاف الأب ساكات بأن الرهبان لا يستطيعوا بمفردهم التوصل الى حل.
ويتذكر أنه في يوم 19 تموز وفي وقت متأخر من بعد الظهر، قال، شعرتُ في قلبي أن عليَّ أن أخفيهم الآن. واختار خزانة طويلة وضيقة تحت درج يُستخدم لتخزين مستلزمات التنظيف. وقال، لقد كان الرب هو الذي وجهنا، وابتداءً من الساعة الثامنة مساءً عمِل الرهبان معاً ووضعوا بعناية الأسرار والمخطوطات في تسعة براميل فولاذية تستخدم لتخزين الحبوب. ومن مخلفات البناء التي أستعملت لصيانة الدير، بنوا جداراً مزيفاً في الخزانة مُخبئين البراميل التسعة ورائه. وبإستخدام خليط السمنت طلوا جميع الجدران لإعطائها المظهر نفسه. ثم بعد ذلك وضعوا مستلزمات التنظيف في مكانها، وترك الرهبان باب الخزانة مفتوحاً قليلاً حتى لا يُثيروا الشكوك بالنسبة لأي متسلل إسلامي.
انتهى الرهبان من عملهم في الساعة الثالثة صباحاً. وعند الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر اقتحم 4 مسلحين من مقاتلي الدولة الإسلامية ومعهم شيخاً باب الدير وأعطوا للرهبان 3 خيارات: أن يتحولوا الى الإسلام أو يدفعوا الجزية أو يُغادروا.
قال الأب ساكات للإسلاميين ” نحن نفضل المغادرة”. وسُمح لهم 15 دقيقة فقط لإخلاء المكان وأمروا الأب ساكات تسليم جميع مفاتيح الدير ومفاتيح المركبات.
نفيَّ من ديره الحبيب. وقال، وأنا أسير خارج الباب نظرتُ الى الوراء وقلتُ للقديس مار بهنام، لقد فعلت كل ما كان عليَّ أن أفعله، والآن أنا أعهد بهم تحت شفاعتك، بقوة ألله، احفظهم إنهم تحت حمايتك. وكرر الأب ساكات ندائه لحماية الأسرار والمخطوطات.
تم توجيه الرهبان الى إحدى سيارات المقاتلين حيث أخذوهم الى مسافة تبعد ميلين عن الدير وتركوهم على الطريق وحذروهم بأن كل من ينظر الى الوراء سيطلق عليه النار. وسار الرهبان عدة ساعات حتى وصلوا الى قرقوش، وسرعان ما استردوا عافيتهم من الإرهابيين. بعد ذلك بفترة وجيزة سقطت تلك البلدة والقرى المسيحية الأخرى في سهل نينوى على أيدي مقاتلي الدولة الإسلامية.
وفي شهر حزيران من عام 2015 دعا البطريرك السرياني الكاثوليكي الأب ساكات الى لبنان لمهمته الجديدة، وهي مساعدة اللاجئين المسيحيين العراقيين الذين نزحوا من كردستان في شمال العراق الى لبنان. ويرأس الأب ساكات حالياً مركز العائلة المقدسة السريانية الكاثوليكية في منطقة بيروت حيث استقرَّ الكثير من المسيحيين العراقيين هناك على أمل أن يتم إعادة توطينهم في الدول الغربية. وفي البداية كان هناك 1200 عائلة سريانية كاثوليكية، أي ما مجموعه 6700 شخص. وكثيرون منهم منتشرون الآن في جميع أنحاء العالم، وبقيَّ 600 عائلة ما زالت تنتظر في لبنان.
في شهر آذار من عام 2015 فجرَّ تنظيم الدولة الإسلامية جزءاً من الدير، وبقيَّ تحت سيطرة المتشددين حتى تحرير المنطقة في شهر تشرين الأول من عام 2017.
وحين زار الأب ساكات الدير في شهر كانون الأول الماضي، قال أنه شعر بالصدمة من الدمار الذي لحِق به. فقد غطت الكتابات جدران الدير وأحرِقت أعمدة المذبح الواحد تلو الآخر، وتم إزالة جميع العبارات الدينية وحُطِمت الصلبان والرموز الدينية المنقوشة على أحجار الدير وتم تشويهها، بما في ذلك أسماء القساوسة المدرجة على القبور، وحُطِمت التماثيل الدينية وقُطِع رأس تمثال مريم العذراء.
وقف الأب ساكات يترقب إزالة الجدار الذي يخفي المخطوطات حيث أستُخدمت مطرقة ثقيلة لكسره وتكشف البراميل التسعة الحاوية على الأسرار والمخطوطات وهي لا تزال سليمة. وكانت المخطوطات معبأة بشكل فردي هذه المرة في صناديق السيارات لنقلها الى كنيسة ملكة السلام السريانية الكاثوليكية في أربيل لحفظها هناك.
قال الأب ساكات، إن ترميم الدير مستمر في الوقت الحالي لكنه يحتاج الى بعض الوقت، وأنا بإنتظار إرادة الرب للعودة الى دير مار بهنام.
