زوعا أورغ – خاص
نشرت صحيفة “El Mundo – إل موندو” الإسبانية تقريرا صحفيا اعتمدت فيه على حوار مع الرفيق أثرا كادو عضو قيادة حركتنا الديمقراطية الآشورية مسؤول فرع نينوى/ سنحاريب، تناول فيه واقع شعبنا الكلداني السرياني الآشوري في سهل نينوى وشمال العراق بعد اجتياح تنظيم داعش، وما ترتب عليه من تحديات ما زالت تؤثر على وجوده التاريخي حتى اليوم.
وخلال الحوار، أوضح الرفيق كادو أن معاناة شعبنا الكلداني السرياني الآشوري لم تنته بسقوط داعش عسكريا، مشيرا إلى استمرار مشكلات انعدام الأمن، وغياب الاستقرار الحقيقي، ووجود قوى مسلحة غير محلية، ما يعيق عودة العديد من العائلات إلى بلداتها وقراها الأصلية.
كما أكد أن المناطق التي توفرت فيها حماية محلية من أبناء المنطقة كانت الأكثر قدرة على استعادة الحياة وعودة السكان، مشددا على أن ضمان الأمن وتهيئة ظروف العودة الكريمة يمثلان ضرورة أساسية للحفاظ على الوجود التاريخي لشعبنا في أرضه.
ويعكس هذا الحوار اهتماما إعلاميا دوليا بقضية شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، ويؤكد أهمية إيصال صوته ومعاناته إلى الرأي العام العالمي.
المرفق:
_ صور من التقرير في الصحيفة المذكورة.
وأدناه.. الترجمة العربية للقاء:
_________________
عيد الميلاد المسيحي في جحيم الجهاديين
— من مقاتل ضد داعش إلى متقن للغة المسيح:
“ليس سهلاً أن نثق بجيراننا المسلمين مجددًا بعدما انضمّ بعضهم إلى الإرهابيين”
بعد سنواتٍ من قتال تنظيم داعش، عاد العراقي أثرا كادو إلى عمله كمدرّس. في بلدته سيحتفلون بعيد الميلاد بالقداديس واجتماعات الأصدقاء وولائم العائلة، لكن التهديد الوجودي للجماعات المتطرفة والعنصرية لا يزال يخيّم فوق رؤوسهم.
فيران باربير
ديسمبر 2025
“كان تأثير داعش على حياة الآشوريين مدمّرًا في المناطق التي احتلوها”، يقول المسيحي العراقي أثرا كادو، ويضيف: “تحطّمت حياة شعبنا منذ اللحظة التي دخل فيها الجهاديون إلى المنطقة عام 2014”.
منذ ذلك الوقت، توقف مسيحيو بلاد الرافدين عن الشعور بالأمان في وطنهم، وكما يوضح أثرا، فقد الكثير منهم إحساس الانتماء إلى مكانٍ كان موطنهم لآلاف السنين. اليوم بالكاد يُذكر اسم داعش، رغم أنّه لم يُهزم تمامًا، لكن آثار الرعب الجهادي الذي أطلقه التنظيم ما تزال تلقي بظلالها حتى اليوم.
تُقدّر أجهزة المخابرات أن ما بين 1500 إلى 3000 مقاتل ما زالوا موجودين، منتشرون في خلايا تعمل بشكل رئيسي في مناطق صحراوية وجبلية وريفية من سوريا والعراق، بعيدًا عن المراكز الحضرية التي كان التنظيم يسيطر عليها عام 2014. في العراق، تنشط هذه الخلايا النائمة خصوصًا في سلاسل جبال حمرين وفي الأحزمة التي تربط محافظات صلاح الدين وكركوك والحدود السورية.
كان أثرا كادو قد بلغ الـ 24 من العمر للتوّ (وهو الآن أكبر باثني عشر عامًا) وكان بالفعل زعيمًا محترمًا داخل المجتمع الآشوري. ومن المهم توضيح أن مصطلح الآشوريين (الذي لا ينبغي الخلط بينه وبين السوريين) يشير إلى المسيحيين الأصليين في بلاد الرافدين، وهم أحفاد مباشرون للحضارة الآشورية القديمة، إذ استقرّوا في هذه الأرض قبل الفتح العربي بآلاف السنين. بكلمات أخرى، كلمة “آشوري” هي الهوية القومية الجامعة للطوائف المسيحية في الهلال الخصيب.
ومنذ صغره انضم أثرا إلى الحركة القومية الأكثر شعبية في بلاده (الحركة الديمقراطية الآشورية – زوعا)، وعندما ظهر تنظيم داعش على الساحة الجيوسياسية في سهل نينوى، لم يتردد لحظة في رفع بندقية كلاشينكوف والانضمام إلى ميليشيا الدفاع الذاتي التي أنشأتها الحركة للقتال تحت العلم الآشوري ضد الهجوم الجهادي.
منذ عام 2014 وحتى هزيمة داعش في العراق (تحرير الموصل اكتمل في تموز 2017، وحررت آخر البلدات من يد داعش في العراق في كانون الأول من العام نفسه)، كان من الشائع لنا كصحفيين نغطي الحرب على الأرض أن نجده مع سلاحه في مكتب زوعا؛ يساعد الضباط في تدريب المتطوعين في وحدات حماية سهل نينوى (NPU)، أو لاحقًا يقاتل مع أبناء شعبه في سبيل استعادة الأرض.
لم يحمل رتبة رسمية، لكن قيادته لم تكن موضع شك. بالإضافة إلى ذلك، جعلته لغته الإنجليزية المتقدمة وذكاؤه الحاد مصدرًا لا يُقدّر بثمن للغربيين الذين كانوا يصلون إلى تلك المناطق كبلدة تللسقف أو ألقوش لفهم ما يجري.
“ماذا حدث بعد نهاية داعش؟ كثير من المسيحيين اختاروا عدم العودة بسبب انعدام الأمن، رغم أن الوضع يختلف من مدينة إلى أخرى”، يقول أثرا. “على سبيل المثال، عاد معظم شعبنا إلى بغديدا رغم أن منازل كثيرة كانت مدمرة أو محروقة، وذلك لأن الأمن كان بيد الآشوريين. في الموصل وبرطلة وتلكيف عاد عدد قليل من العائلات، أما في باطنايا فالوضع أسوأ: فقط حوالي 100 من أصل قرابة 1000 عائلة عادت. والسبب ليس فقط الدمار الواسع، بل كذلك وجود قوات أمن غير موثوقة”.
القلعة المسيحية
بعد هزيمة داعش عاد الشاب القومي المسيحي إلى مهنته الأساسية: التدريس. يُدرّس أثرا اللغة السريانية في تللسقف، وهي لهجة آرامية حديثة مرتبطة بالآرامية الكلاسيكية وتُستخدم اليوم كلغة طقسية وتواصلية لجزء كبير من مسيحيي بلاد الرافدين الآشوريين.
ومع ذلك، وبصفته ناشطًا وعضوًا في الحركة الديمقراطية الآشورية، يواصل العمل في إعادة إعمار البلدات التي دمّرها داعش. ويقول: “تأثير داعش لم يكن متماثلًا بين البلدات التي احتلت وبين بلدات حدودية غير محتلة مثل شرفية مقارنة ببغديدا (قره قوش)، برطلة، كرملش، تلكيف، باطنايا، تسقوبا (تللسقف) أو الموصل. لكنه مع ذلك أثّر علينا، لأننا شعب واحد، والمأساة التي تصيب جزءًا منا تؤثر على جميعنا.”
وُلد أثرا ويعيش في ألقوش، وهو متزوج ولديه طفلان. وبلدته مميزة لكونها واحدة من أقدم البلدات المسيحية في شمال العراق، إذ تمتد جذورها على الأقل إلى القرون الأولى للمسيحية، حيث وُجدت هنا كنيسة وجماعة مستقرة حول مار ميخا وضريح النبي ناحوم.
اليوم لا يتجاوز عدد سكانها 4500–5000 نسمة، معظمهم كلدان تابعون للفاتيكان، لكنها ولسنوات طويلة كانت مقرًا بطريركيًا وملاذًا من الغزوات المغولية والفارسية والكردية، ما يجعلها من المناطق التي تمتلك أطول حضور مسيحي مستمر في العالم—قلعة آشورية أصيلة منقوشة في صخر الجبال التي تشرف على شمال الموصل.
“رغم أن بيوتنا لم تُدمّر على يد داعش، إلا أننا عشنا في خوف على عوائلنا، ما خلق حالة عدم استقرار داخل حياتنا الأسرية”، يقول مدرّس اللغة السريانية. “كثيرون هاجروا خلال فترة سيطرة داعش على أجزاء واسعة من العراق وسوريا. واستمرت الهجرة بعد هزيمته بسبب ضغط القوات التي كانت تسيطر على المنطقة والوضع السياسي غير المستقر.”
من هم هؤلاء الذين يسميهم أثرا “قوات أمن غير موثوقة”؟ من جهة، فصائل وقوات مختلفة من البيشمركة وأجهزة الأمن التابعة لحكومة إقليم كردستان، والتي سيطرت لسنوات على سهل نينوى بوصفه “منطقة متنازع عليها” (ويتهمهم العديد من الآشوريين بحق بأنهم تركوا المنطقة عام 2014 لتقع في يد داعش). ومن جهة ثانية، قوات الحشد الشعبي (الشيعية) وخصوصًا لواء 50 المعروف بـ”كتائب بابليون”: مجموعة تُقدَّم على أنها مسيحية لكنها في الحقيقة مكوّنة بمعظمها من شيعة غير محليين مرتبطين بمنظمة بدر، ومتهمة بالابتزاز والمضايقات وعرقلة عودة الآشوريين إلى مناطق مثل تلكيف لتعزيز نفوذهم السياسي في المنطقة.
“خدمت في قوات NPU من 2014 إلى 2017، لكنني بقيت أقدم المساعدة حيثما احتاجوا حتى عام 2021، حين استولى التيار البابلي على الملف وتم دمج قواتنا الآشورية معه”، يواصل أثرا. “قواتنا ما تزال في خدمة بغديدا وكرمليش وبرطلة، لكن في 19 أكتوبر عادت قيادتها لأبناء شعبنا. خلال غزو داعش شاركت في تحرير قرية بدنة كبير؛ وفي معركة تسقوبا في 3 أيار 2016؛ وفي تحرير بغديدا في تشرين الأول 2016.”
هذا العام — كما العام الماضي والذي قبله، وحتى خلال السنوات الثلاث المظلمة حين كان داعش يضغط من الجنوب على طريق الموصل — سيحتفل آشوريو نينوى بعيد الميلاد مرة أخرى بطريقتهم. لم يمنعهم شيء حتى الآن، رغم أنهم في أسوأ الأعوام نقلوا الاحتفال إلى مخيمات النزوح في عنكاوا بأربيل.
التقاليد
“نحن هنا نحتفل بالميلاد بالتجمعات وزيارات بعضنا البعض”، يقول أثرا. “في 2013، قمت مع مجموعة من الشباب بتزيين ساحة في ألقوش وتحويلها إلى متنزه صغير للعيد كي نجتمع فيه يوم 25 كانون الأول وكذلك في رأس السنة. وما زلنا نفعل ذلك إلى اليوم، لكننا سلمناه للجيل الأصغر. أعلم أن مدنًا أخرى في سهل نينوى تفعل الشيء نفسه. بالطبع نشارك في القداس ونعد أطعمة تقليدية مثل الباجة، الكبة، أو الكليجة”.
الباجة هي طبق احتفالي شعبي غني يُطهى من رأس الخروف وأرجله ومعدته لساعات حتى تطرى اللحوم، ثم يقدم مع الخبز في المرق. الكبة فطائر أو أقراص من البرغل أو الرز محشوة بلحم مفروم متبل مع الصنوبر أو الفواكه المجففة. أما الكليجة فهي حلويات صغيرة محشوة بالتمر أو الجوز أو جوز الهند، تُعد في البيوت المسيحية خصوصًا في الميلاد والفصح وتُقدم للضيوف مع القهوة أو الشاي.
وبالإضافة إلى ليلة الميلاد ورأس السنة المسيحية، يحتفل الآشوريون برأس سنتهم القومية في الربيع: عيد أكيتو أو “خا بِنيسان”. وهو مهرجان بلاد الرافدين الذي يعلن بداية السنة في شهر نيسان، مرتبط بتجدد الطبيعة وزراعة الشعير، ويُحتفل به اليوم في الأول من نيسان بالقداديس والعروض والملابس التراثية والأعلام الآشورية في سهل نينوى وفي المهجر.
في العراق يشكل عيد الميلاد استراحة قصيرة وسط واقع ما يزال مهددًا وجوديًا. رغم أن بغداد أعلنت 25 كانون الأول عطلة رسمية، ورغم الإجراءات الأمنية الخاصة في مدن كردية مثل أربيل لضمان أمن القداس والفعاليات العامة، فإن المجتمع الآشوري يعيش العيد دائمًا بعين على مخارج الطوارئ، بسبب خطر عودة الجهاديين الكامن، وسيطرة الميليشيات، وقلة فرص العمل، والهجرة المستمرة التي تفرغ الكنائس.
ويضاف إلى ذلك، كما يشير أثرا، أن الأحزاب السياسية المسيحية تخوض صراعًا مستمرًا وغير متوازن ضد أحزاب النظامين اللذين يسيطران على شطري العراق. يقول المدرّس: “لا توجد حرية تعبير لا في المناطق الخاضعة لحكومة الإقليم الكردي ولا في تلك التابعة للحكومة المركزية، رغم أن الوضع أفضل قليلًا في مناطق بغداد. وإلى جانب ذلك، لا تزال هناك ممارسات تطهير عرقي ناعمة وعمليات تكريد في الشمال، ونواجه كراهية من جماعات متطرفة في كلا الجانبين.”
هل تم هزيمتهم؟
في رأيه، من السذاجة الاعتقاد بأن داعش أو فكرته قد هُزمت. “الجهادية ليست شخصًا أو جماعة واحدة. إنها عقلية، وطالما لا يوجد نظام تعليمي يغيّر هذه العقلية، ولن تكون هناك دولة قانون قادرة على إيقافها. والأسوأ أن بعض هذه الجماعات المتطرفة والعنصرية هي جزء من الحكومة.”
ويختتم أثرا بقوله: “كأفراد، لدينا أصدقاء مسلمون. ولكن على مستوى المجتمع، لا يزال القلق قائمًا من وجود جماعات ذات تفكير متطرف. التاريخ علّمنا الكثير بهذا الشأن”. “خلال آخر حدث (مرحلة داعش) رأينا بعض جيراننا ينضمون للتنظيم. ورغم أن هناك أيضًا مسلمين حاولوا حمايتنا ورفضوا المشاركة في الاضطهاد، إلا أنه من الصعب محو تلك الصدمة أو إعادة الثقة بمن خانك مجددًا.”


