1. Home
  2. /
  3. الاخبار
  4. /
  5. الوطنية والدولية
  6. /
  7. الدكتور جوزيف يعقوب في...

الدكتور جوزيف يعقوب في “لوفيغارو” : كيف استأصلت تركيا أقلياتها المسيحية؟

زوعا اورغ/ وكالات

كان المسيحيون يمثّلون 20٪ من السكان الأتراك في بداية القرن العشرين، وقد انخفض عددهم اليوم إلى 0,2٪.
يروي جوزيف يعقوب، الخبير في تاريخ المسيحيين الشرقيين، كيف محا النظام التركي تدريجياً الذاكرة الثقافية لهذه الأقلية المضطهدة.

جوزيف يعقوب، أستاذ فخري في العلوم السياسيّة في الجامعة الكاثوليكيّة في ليون، بفرنسا، وهو أوّل حائز على كرسي اليونسكو الذاكرة والثقافات وتداخل الثقافات، مختصّ في شؤون الأقليات في العالم، والمسيحيين في الشرق، ومؤلّف للعديد من الكتب منها: من سيتذكر؟، و1915 الإبادة الجماعية الآشورية الكلدانية السريانية (2014)، ومنسيّون من الجميع، والآشوريون الكلدانيون في القوقاز (مع كلير يعقوب، 2015)، وتنوّع تحت التهديد، ومسيحيو الشرق في مواجهة القومية العربية والإسلاموية (2018).

خطورة معاملة الأقليات المسيحيّة

يقول يعقوب إنّ انخراط تركيا السياسي والعسكري مع أذربيجان ضدّ الأرمن في ناغورنو كاراباخ (أرتساخ) جاء ليُعرّي الماضي، ويكشف خطورة معاملة الأقليات المسيحيّة.

في هذه الظروف؛ ما هو وضع الأقليّات المسيحيّة في هذا البلد، مقارنةً بوضعهم في أرمينيا؟

مضى وقتٌ كانت فيه مجتمعات مسيحيّة مقيمة في هذا البلد، وقد انتهى ذلك الوقت، ومنذ ذلك الحين، صار التاريخ عن سلسلة من الأعمال الدراميّة، تتخلّلتها حلقات طمسَ التأريخ الرسميّ، بعضَها عن قصد، وبعد فترة من الرخاء والازدهار انخفض عددُ المسيحيين بشكل كبير، عدداً وتأثيراً، بينما كانوا يشكّلون في القسطنطينية وحدها 40٪ من السكان في القرن السادس عشر، وفي بداية القرن العشرين، كانوا ما يزالون يقدَّرون بأكثر من 20٪.

اليوم، لا يزيد عددهم عن 100000 شخص، أي أقل من 02٪ من السكان البالغ عددهم 84 مليون نسمة، ونلاحظ أنّ المدارس المسيحية في تدهور حادّ، ونرى حالات مصادرة كنائس وقمع قساوسة، وكلّ هذا أكّدته السياسة الإسلاموية القومية للرئيس التركيّ، أردوغان، الذي غيّر الكنيسة المقدّسة صوفي إلى مسجد.

شهد القرن العشرون اضطرابات وتشنّجات، سياسيّة ودينيّة، وضعت الإبادة الجماعية للأرمن والآشوريين الكلدانيبن، عام 1915، حدّاً تدريجياً للوجود المسيحيّ.

وهذا مثال من بين أمثلة أخرى، تمّ حجبه تماماً، عشية الحرب العالمية الأولى، كان هناك 100 ألف مسيحيّ آشوريّ يعيشون في منطقة هكاري، أقصى جنوب شرق تركيا، واليوم، لم يبقَ أحد، نصفُهم أبيدوا أو ماتوا على الطرقات، والنصف الآخر أجبِروا على النزوح الجماعيّ في ظروف مروّعة.

ماذا حدث؟

ابتداء من عام 1906؛ بدأت الشرارات الأولى تمهّد لعام 1915، والتي حملت بذور عام 1918، وهدفت هذه السياسة، وفق نوايا ثابتة، مُجانسة الإمبراطورية العثمانية، وأترَكة البلاد، من خلال القضاء على جميع المجموعات العرقيّة غير التركيّة، وغير المسلمة.

كانت أيضاً إبادة عرقيّة، تعرّضت الكنائس للنهب والدنس، وقتِل كبارُ السنّ من الرجال والنّساء والشباب، وعانى آخرون المرض أو الجوع، أو نُقلوا إلى المنفى، وتعرّضت الفتيات الصغيرات للاضطهاد والاستعباد، وهذه المأساة موثّقة بشكل جيد في أدبهم التذكاريّ، باللغة الآرامية، لغة المسيح.
مع انتهاء الحرب وولادة تركيا الكمالية الجديدة، كانت هناك حلقات مؤلمة أخرى.

في كانون الأول (ديسمبر) 1925؛ أشار تقرير من مجلس عصبة الأمم (SDN)، للجنرال الإستوني ليدونر، الذي كان قد حقّق في الخطّ الحدوديّ المؤقّت بين تركيا والعراق، إلى ما أسماه بترحيل المسيحيين، فذكر عدد الضحايا، الذين بلغ حوالي 3000 شخص، وجرّم جنود الفوج 62 التركي الذين ارتكبوا ضدّ السكان أعمال عنف فظيعة وصلت حدّ المجازر.

المؤرخ جوزيف يعقوب: انخراط تركيا السياسي والعسكري مع أذربيجان ضدّ الأرمن في ناغورنو كاراباخ جاء ليُعرّي الماضي، ويكشف خطورة معاملة الأقليات المسيحيّة

بعد ذلك، تكثّفت ظاهرة الإبادة الثقافية، وتمّت أتركة أسماء القرى، وكذلك أسماء العائلات، فيما يلي أسماء القرى الآشورية الكلدانية التي تحولت بالكامل: Ischy أصبحت Ombudak، وBazyan أصبحت Dogan، وHarbol أصبحت Aksu، وMeer أصبحت Kovankaya، وHoz أصبحت Ayirim، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أسماء العائلات الناطقة بالآرامية؛ فقد تحوّلت بقشا إلى يالاب، وبيكوما إلى ياباش، وتمّ عملُ كلّ شيء لمحو الذاكرة. والأكثر من ذلك؛ أنّ هذه القرى هُجِّرت، واحتقِر سكانها، وتُركوا في جهل كامل وبلا حماية، غير آمنين من قطّاع الطرق والآغوات الأكراد والأتراك.

وكذلك، لا ينبغي أن نتفاجأ برؤية البلاد خالية من الناجين من الإبادة الجماعية لعام 2015، ابتداء من عام 1980، بدأ الآشوريون الكلدانيون المحرومون من الأمن، والمحاصرون بين المطرقة والسندان (بين الجيش التركي والمسلحين الأكراد في ذلك الوقت)، والذين عاشوا في هذا البلد منذ 3000 عام، يسلكون طريق المنفى إلى فرنسا وأوروبا، هاربين من القمع، ومن ظروفهم البائسة، فهذه الهجرة الجماعية الكثيفة مسّت مناطق عدّة.

بعد أن تمّ الترحيب بهم في فرنسا (مقاطعات فال دواز، وسين سان دوني)، تمكّنوا من خلال عملهم ومثابرتهم، من تحقيق النجاح، والحصول على حياة كريمة، وشغلوا مناصب مهمة، في وقت قصير، في بلد علمانيّ يحترم جميع الأديان، تمكّنوا من بناء الكنائس (في سارسيل  Sarcelles)، وارنوفيل (Arnouville)، وفق تقاليدهم، ووفق طقوسهم، ومن أن يعيشوا عقيدتهم بالكامل، وفي المقابل؛ فهم يكرّسون الحبّ والولاء والإخلاص لفرنسا.

في مواجهة حالة الإنكار في تركيا

في مواجهة حالة الإنكار في تركيا حدث العكس في أرمينيا؛ فخلال مهمة إلى ناغورنو كاراباخ، عام 1993، في إطار وفد فرنسي، بمبادرة من الأرمن، لأغراض إنسانية في ستيباناكيرت، العاصمة، لاحظنا كيف ارتبط الأرمن بهذه المنطقة التي تمثّل مكانة عالية لهُويتهم الوطنية، وروحانيتهم ​​المسيحية.

ومن ناحية أخرى؛ ففي إطار البحث حول الآشوريين الكلدانيين، خلال زيارتنا عام 2012 للجالية الآشورية في أرمينيا، التقينا بهذه المناسبة بالقادة السياسيين الأرمن، وعند عودتنا، حفظنا هذه القصّة في كتاب عنوانه  Oubliés de tous. Les Assyro-Chaldéens du Caucasمنسيّون من الجميع: الآشوريون الكلدانيون في القوقاز (2015)، مما سمح لنا بمراقبة وتقدير حالة تطور المجتمع، وملاحظة أنهم يعامَلون بشكل جيد، ومعترّفٌ بهم، علاوة على ذلك؛ فإنّ الروابط الثقافية والأخوية بين الآشوريين الكلدانيين، المعروفين باسم Assori، والأرمن، تعود إلى زمن بعيد في التاريخ (بما في ذلك الزيجات المختلطة).

وصل الآشوريون الأوائل إلى أرمينيا، عام 1805، من تركيا وبلاد فارس، وهي العملية التي تسارعت بشكل ملحوظ، عام 1828، وما بين عامَي 1915 و1918، فهم في الغالب من سكان الأرياف، ويعيشون على الثروة الحيوانية والزراعة.

خارج العاصمة يريفان، يتركزون بشكل أساسي، في سبع قرى على وجه الخصوص؛ في فيرين دفين، وأرزني، ونور أرتيجرز، وكولسار، وقد رافقوا استقلال أرمينيا منذ عام 1989، وأسسوا جمعيات ومدارس، وافتتحوا مراكز ثقافية، وحرّروا الكتب المدرسية باللغة الآرامية، ومع ذلك؛ فمثل العديد من الأرمن، سلك البعضُ طريق المنفى (الولايات المتحدة، وأوروبا، و…إلخ).

تعترف الدولة الأرمنية رسمياً بالإبادة الجماعية الآشورية، عام 1915، وقد أقيم نُصبٌ ذكاري في يريفان، تكريماً للضحايا؛ لديهم كنيستهم الخاصة (أتباع الكنيسة الشرقية، المعروفة باسم النسطورية)، يديرها رجال دين محليّون، ويعود تاريخ جمعية أتور (آشور) إلى عام 1989 (تمّ تشكيلها عام 1992، ولها مكتب في يريفان، تبرعت به السلطات الأرمينية منذ عام 1998، كان هناك مركز شباب آشوري (عاشور)، وعام 2003؛ تمّ افتتاح مركز ثقافي بيث نهرين (بلاد ما بين النهرين)، كما نُشرت كتبٌ مدرسية باللغة الآرامية، عام 2008، وهناك أيضاً برامج إذاعية وتلفزيونية.
في أرزني، توجد مدرسة ابتدائية للطائفة، وفي المدرسة العامة يتمّ تدريس الآرامية الحديثة (سورث)، الوضع مشابه تقريباً لفيرين دفين.

بيانات مهمة أخرى تجب ملاحظتها

هناك بيانات مهمة أخرى تجب ملاحظتها؛ عمدة أرزني وفيرين دفين من الآشوريين، بغضّ النظر عن الجنس، ولافتات (شوارع البلديات) مكتوبة بثلاث لغات: الروسية، والأرمنية والآرامية، وغالباً ما تحمل الشوارع أسماء الشخصيات الآشورية، بما في ذلك الفيلسوف برديسان (القرن الثاني)، والملك الآشوري آشور بانيبال، وملك أوراهاي “إديسي أبغار أوكاما”، والقديس أفرام، والبطريرك مار بنيامين شمعون، …إلخ.

لذلك؛ من الواضح أنّ آشوريي أرمينيا، المَدِينِين لهذا البلد الذي يعترف بهم، يكافئونه بالقتال مع مواطنيهم الأرمن من أجل حريتهم والحفاظ على ناغورنو كاراباخ، كأرض أرمينية، وبحسب المعلومات التي تمّ جمعها؛ فقد مات ما لا يقل عن 6 شبان آشوريين، وفُقِد وجُرِح عدد من شبان قريتي فيرين دفين وأرزني.

في 25 تشرين الأول (أكتوبر)؛ أرسل كاهن الطائفة الآشورية، نيكاديموس يوخنايف، رسالة باللغتين الآرامية والأرمنية، يدين فيها الهجوم التركيّ الأذريّ؛ إننا ندين بشدة، الهجوم التركي الأذري، وندعو جميع الآشوريين في العالم، وكلّ أصحاب النوايا الحسنة، إلى رفع أصواتهم لوضع حدّ فوري لهذا العدوان، ونحن متضامنون أكثر من أيّ وقت مضى مع إخوتنا الأرمن، طوائفنا مرتبطة بتاريخنا وثقافتنا.

إنّه النفي من جهة، والاعتراف من جهة أخرى، هذا هو الفرق بين تركيا وأرمينيا.

zowaa.org

menu_en