1. Home
  2. /
  3. اراء
  4. /
  5. مقالات
  6. /
  7. الحيث والعَين وعلاقتهما بالمبشرين...

الحيث والعَين وعلاقتهما بالمبشرين الغربيين

أثرا كادو – ألقوش

بين فترة وأخرى، وعند أي نقاش لغوي، بين المختصين واللامختصين باللغة، ان كان بلقاء مباشر أو على مواقع التواصل الاجتماعي، أغلب الأحيان ما يكون النقاش والذي يتحول إلى جدال، على لفظة حرف الـ(ܚ) الحرف الثامن من الأبجدية السريانية، وحرف العَين (ܥ) الخامس عشر من الأبجدية، فيقول طرف بأنه يُلفظ الأول (ح) ليجادله الطرف الآخر بأنه يُلفظ (خ)، أو أن لفظة (ع) و (ح) لم تكونا موجودتان يوماً بكلامنا، بل ان المبشرين الكاثوليك الغربيين قد أدخلوهما في كنائسنا، بعد اتباع الأكثرية من مناطق شعبنا، وخاصة في سهل نينوى، المذهب الكاثوليكي، وهنا أود طرح هذه النقطة بالذات وتفنيدها، والاثبات بأن لفظتا (ح) و (ع) كانتا دائماً موجودتان في لغتنا، وبالتأكيد قبل قدوم المبشرين، وخلال الفترة التي كانت كنيسة المشرق واحدة.

ان الكثير من المصادر التاريخية واللغوية المختصة باللغة الأكدية تقول بأن اللغة الأكدية لم تكن فيها لفظة (ح) و (ع)، أي الأصوات الحلقية، ولكن هذا لا يثبت بأن شعبنا لم يلفظ نهائياً الأصوات الحلقية، إن كان في فترة كتابته بالكتابة المسمارية، أو بعد اختراعه وتبنيه اللغة الآرامية للكتابة، وبعدها اعتمادها كلغة أدبية وعلمية، منذ القرون الأولى من الألفية الأخيرة قبل الميلاد.

ان موضوع المقال قد كان في بالي لفترة كافية لليوم، وبما أننا لا نستطيع العودة بالزمن إلى قبل قرون لمعرفة ما إذا كانتا هاتين اللفظتين (ح، ع) موجدتان عند آباؤنا، فالكتابات باللغة السريانية الفصحى هي نفسها، وتكتب بنفس الأحرف، إلا أن لفظه يختلف بين لهجة وأخرى، إلى أن جاء في بالي نقطة قد تحدثنا بها قبرة فترة أنا والأستاذ روني بيث يوآلاها، وهي الـ(دوركياثا*) والتي هي مشروع بحثه للدكتوراه، وتلك الكتابات حسب علمي هي الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في معرفة آلية كتابة النطف، مع معرفة بأن الكتابات المكتوبة بلهجة القوش عند آباؤنا، كانت تعتمد حرف الكاف المليَّن (ܟ̣) عند الرغبة في كتابة لفظة (خ) حتى لو كان تكوين الكلمة باللغة السريانية الفصحى بحرف (ܚ)، كما وأنهم كانوا يكتبون (ܐ – آلَـﭖ) بدلاً من (ܥ – ع) في الكلمات التي نلفظ فيها العين كهمزة، وتكتب (ܥ) في الكلمات التي تُلفظ (ع) في الكلمة، غير معتمدين على الجذر القواعدي للغة السريانية الفصحى (سَـﭙرايا) وسنأتي إلى شرح هذه النقطة بالأمثلة بعد الدخول في تفاصيل قصيدة من الـ(دوركياثا).

اعتمدت في مقالي هذا على مخطوطة أرسلها لي مشكوراً، الأستاذ روني بيث يوآلها، وهي إحدى القصائد (دوركثا) التي كتبها إسرائيل رَبّا شكوانا (رابي رابا)، أحد الأوليين الذين كتبوا هذا النوع من القصائد، ونسخة هذه المخطوطة مأخوذة من مخطوطات مكتبة برلين، ومنسوخة في القرن التاسع عشر الميلادي، (ساخاو 223)، من مخطوطة لإسرائيل شكوانا (1541 – 1611+)، وكما هو معروف بأن في تلك الفترة لم يكن هناك مبشرين ولا كنيسة كاثوليكية في القوش، بل كانت بطريركية كنيسة المشرق في القوش.

وهنا نرفق لكم جزء من المخطوطة:

لفظة الحاء:

نرى بأن الكلمة الأولى من السطر الأول (ܕܟ̣ܙܹܠܹܐ) رغم أن أصل الكلمة بالسريانية هو (ܚܙܵܐ) أي بحرف الـ(ܚ) ولكن الكاتب قد كتبها بالـ(ܟ̣)، وذلك ليميّز لفظ الحرف، ويؤكد بأن لفظه هو (خ)، وفي كلمة أخرى (كما موضح في السطر الثاني، الكلمة الثالثة) فإنه يكتبها كما هو أصلها السرياني (ܚܲܒܝܒܵܐ) بحرف الـ(ܚ) دلالة على لفظة (ح)، ليبين للقارئ بأن في لهجة القوش، نقول (حَبّيوا) وليس (خَبّيوا)، ويكرر ذلك في السطر التاسع مرتين (ܟܸܡܚܵܣܹܐ)، وكذلك في باقي صفحات المخطوطة، بالنسبة للكلمات التي تُلفظ في لهجة القوش بلفظة (ح)، ولكنني أرفقت فقط صفحة واحدة كدليل فقط.

وهناك الكثير من الكلمات التي ما زلنا نستخدمها اليوم بنفس اللفظ (ح)، وأخرى نلفظها بالـ(خ)، رغم أن جذرها بالسريانية هو (ܚ)، وقد يكون لي مقال أو بحث آخر لسبب التفرقة باللفظ بين الكلمات، لأنني لم أجد مصدر أعتمد عليه، وفي نفس الوقت بعض الكلمات أستغرب من لفظها، فهي من نفس الجذر، وتستعمل في نفس المعنى أو بمعنى مرادف، ولكننا نلفظها في مكان معين (ح) ومكان آخر (خ)، وأمثلة على ذلك:

  • ܡܸܫܚܵܐ ܕܙܹܝܬ̣ܹ̈ܐ – مِشحا دزيثيه، بمعنى زيت الزيتون

وأيضا نقول لزيت الطبخ، أو الدهن (مِشخا)، وهما بنفس المعنى تماماً ومن نفس الجذر.

  • ܫܛܵܚܵܐ – شطاحا، بمعنى (التمدد أو الفَرش – وتستخدم للشخص)، ومن نفس الجذر نقول (شطاخا دجوليه) بمعنى (نشر أو فرش الملابس أو أي مادة أخرى – بعد تبليلها). وهما بنفس المعنى أيضاً.
  • وحتى في نفس الجملة وبنفس المعنى كما في الصلاة الربانية باللهجة العامية “ܫܒ̣ܘܿܩ ܛܵܐܠܲܢ ܓܢܵܗܲܢ ܘܸܚܛܸܝ̈ܵܬ̣ܲܢ، ܕܹܐܝܟ̣ ܕܸܫܒ̣ܸܩܠܲܢ ܗܲܡ ܐܲܚܢܝܼ ܠܗܵ݉ܢܹܝܢ݉ ܕܚܛܹܝܠܹܝܜ ܥܸ݉ܠܲܢ…” حيث تلفظ كالتالي: “شووق طالَن، ﮔناهَن وخطياثَن، ديخ دشوِقلَن هَم أخني، لآنيه دحطيليه إلَّن…” والتي هي بمعنى “أغفر لنا خطايانا، كما نحن أيضاً غفرنا للذين أخطأوا إلينا”. أي أن الكلمتين هما بنفس المعنى تماماً، وفي نفس الجملة، إلا أن في (ܚܛܸܝ̈ܵܬ̣ܲܢ – خطايانا) تُلفظ (خ)، وفي كلمة (ܚܛܹܝܠܹܝܜ – أخطأوا) نلفظها بالـ(ح).

حرف العين:

نرى في السطر الخامس، الكلمة الأولى (ܐܘܸܕܠܹܐ – إوذليه – بمعنى: فَعَل) والتي جذرها بالسريانية (ܥܒ̣ܕ̣)، ولكن في السطر الثامن نجد الكلمتين الثانية والثالثة (ܘܸܠܥܵܠܲܡ ܥܵܘܠܹܗ) والتي تعني (وللأبد فعله)، فالكلمتين توجد فيهما حرف العين، أي إنه منذ حينها وإلى اليوم نلفظ حرف الـ(ع) في بعض الكلمات، وكلمات أخرى التي جذرها السرياني هو بالعين، إما تلفظ بالألف كهمزة، أو لا تلفظ، مثل (ܐܲܪܵܐ – أرا) والتي أصلها (ܐܲܪܥܵܐ – الأرض).

كما ذكرت، فإنني لم أفهم هذا الاختلاف بعد، ولكنني في صدد البحث عن نقاط مترابطة قد تُبين سببه، وأتمنى أن أرى بحث آخر من قبل أحد باحثينا الأعزاء يطرح هذا الموضوع ليكتشف سبب الفرق.

ولكن، ومما وَضَّحناه أعلاه، فإنه يؤكد بأن لفظتا (ح ، ع) لم تُجلب إلينا لا من قِبَل المبشرين، ولا غيرهم، ولا علاقة لهما بهم، بل هما أصليتان، وتعودان إلى أكثر من خمسة قرون، كما موثق في مخطوطة إسرائيل رَبّا، وغيره، الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي. كما أن هاتين اللفظتين لا علاقة لهما بالكلمات الدينية أو اللاهوتية، كما يثبت لنا المثال الثالث أعلاه، ففي اللفظتين هناك نفس المعنى، وهي في الصلاة الربانية، ولو كانت لفظة (ح) دينية، لكانتا الإثنتين تلفظ حاءً وليس إحداهما حاء وأخرى خاء.

في الختام، أود أن أوضح للقارئ الكريم بأن لفظة (ح) أو (ع) هي غناء للغتنا العريقة، والاختلاف في لهجاتنا هو جمال لغوي لا يملكه أكثر شعوب العالم، ويدل على عراقة هذه اللغة، فمن المنطقي أن تكون هناك لهجات ولكنات مختلفة بين آلاف القرى الناطقة بلغة لها أكثر من خمسة آلاف سنة، ولو لم تكن هذه الاختلافات بلهجاتنا، لدل على أننا شعب متأخر، ولا نعرف التطور!

لذا لنحب لهجاتنا واختلاف ألفاظها، فجميعها لنا، ونحن منها، وهي من أقدم وأعظم لغة خلقها البشر، والذين هم أجدادنا، فلنحب ما نملكه، أكثر مما نحب ما يملكه غيرنا، فهو جوهرة لا يمكن أن يمتلكها غيرنا، ولنحافظ عليها للأجيال القادمة.

لننبذ كل من يحاول التفرقة باللهجات، أو الطائفة أو المنطقة أو الاسم، فمن يحاول التفرقة ليس منّا، فنعلمه بذلك بنبذه وإيقافه عند حده، كون من يفرق هو أجرم المجرمين وعلى كل واعي من أبناء شعبنا أن يعرف خطورة هذه الجريمة، ويوقفها عند حدها.

 

أتمنى أن ينال هذا المقال إعجابكم وعسى أن يوصل لكم معلومة مفيدة، مع أجمل التحايا

 

أثرا كادو 20 / 11 / 2025

* دوركياثا: وهي أشعار مكتوبة بالعامية، وليس السريانية الفصحى، وتعتبر بحسب البحوث بأنها أولى الكتابات بلهجات اللغة السريانية، وقد بدأت منذ أربعة إلى خمسة قرون مضت.

zowaa.org

menu_en