إغلاق ثمان كنائس في بغداد: هل ستستغني عاصمة العراق عن الوجود المسيحي؟

فادي كمال يوسف*

أعلنتْ الكنيسة الكلدانية في بيانٍ رسمي عن إغلاق ثمان كنائس في بغداد، وعزت السبب بحسب البيان لعدم وجود مؤمنين بسبب الهجرة والاوضاع الأمنية غير المستقرة.

الإعلان يمثل سابقة غير معهودة في السياسة الإعلامية للكنيسة، فهي المرة الأولى التي تفصح فيها البطريركية رسمياً عن خطورة تراجع أعداد المسيحيين في العاصمة والذي اجبرها على اغلاق هذه الكنائس، ما يؤشر على خلو تلك المناطق الثمانية من المؤمنين تماماً، والملفت أن الإغلاق لم يطل كنائس أخرى في مناطق ساخنة من العاصمة والتي تشهد نزوحاً اكبر ما يجعلها مهددة هي الأخرى بالأغلاق.

توقيت الإعلان

المتابع للأحداث يجد أن إعلان البطريركية جاء متأخراً. فمنذ سنوات خلت وهناك كنائس خاوية ولا مؤمنين في المناطق التي تخدمها، لهجرة الكثير من العوائل إما الى خارج البلاد أو إلى مناطق أكثر أمناً في اقليم كردستان، والتأخير أضر بالقضية فأفقدها زخماً لمواجهة نزيف الهجرة الذي أخذ يقلِّص بسرعة جنونية الوجود المسيحي. وأضحى إعلان البطريركية بلا رسالة واضحة المعالم، بل مُجرد فقاعة قد تتناولها الصحف ليوم او يومين في أحسن الأحوال ثم تضمحل بلا أيّ تأثير، ولن يتبقى منها سوى تأثيرها السلبي على عموم المسيحيين في الداخل، والذين سينتابهم الشعور بأن أهم رموز وجودهم أخذت تتلاشى وبالتالي فإن مغادرتهم اسوار العاصمة اصبح مسألة وقت لا أكثر.

خطورة إقفال الكنائس

تبرز خطورة إقفال الكنائس في بغداد كونه يؤشر الى بداية تحول نحو افراغ العاصمة نهائياً من وجودها المسيحي، فيما يطغي الهاجس الأمني لتعليل الهجرة التي تصاعدت وتيرتها بعد سقوط النظام عام 2003. ولكن هواجس أخرى كانت سبباً لتلك الهجرة، ومن أهمها التغيير في وجهة العاصمة وتحولها من صبغة اجتماعية الى ثانية تختلف عنها تدريجياً، ما أشعر البغداديين بالعموم والمسيحيين خاصة بأنهم أصبحوا غرباء في عاصمتهم، إضافة الى عامل أخر سرع من وتيرة الهجرة وهو العامل الاقتصادي. فالتحدي الذي يعانوه من انعدام فرص العمل الحكومية من جهة، وصعوبة الانخراط في الأعمال التجارية أو الخاصة بسبب التحديات الأمنية والتي تهددهم بشكل خاص.

خيارات خاطئة

أن اعلان الكنيسة اليوم أثبت فشل مشروع وخيار التمسك بالوجود المسيحي في العاصمة فقط وبعض المناطق الأخرى التي كانوا يفقدون فيها الحضور الديمغرافي الوازن والمؤثر في المعادلة السياسية، والإيحاء بأن الهجرة الى مناطق آمنة من البلاد خطيئة واعتبارها نوعاً من الهجرة. فقد أظهرت الوقائع أنَّ هذه الإستراتيجية فشلت أولاً في الحفاظ على الوجود المسيحي في البلاد، وفي الحفاظ على أمنهم بالعاصمة، إذ استمرت الهجرة وباتت قناعة اغلب المسيحيين أن بقاءهم في العراق مسألة وقت لا أكثر، فلا أمل لهم بأي مستقبل يرتجوه وخاصة في العاصمة.

وإذ عدنا بالذاكرة الى سنوات قليلة للوراء، نجد أن أغلب المسيحيين هم مهاجرون ومهجرون بالأساس من قراهم وقصباتهم وأراضيهم في شمال العراق، فيما كانت الأسباب لذلك ذاتها التي تجبرهم اليوم على عدم العودة الى تلك المناطق، بسبب الحروب والأوضاع الاقتصادية السيئة والمضايقات السياسية يضاف اليها انعدام الإنماء وعدم تطوير تلك المناطق قصداً بغرض تشتيتهم، لذلك فإن عودتهم من بغداد الى ديارهم الأصلية لا يمثل هجرة فهم لا يزالوا ضمن العراق.

الإستراتيجية المطلوبة والإستفادة من تجارب مسيحيي المنطقة

لقد بدا الاعلان وكأنه يفتقد استراتيجية محددة في مواجهة الآفة التي تضرب الوجود المسيحي الديمغرافي، لا بل زاد بأنه ظهر كنداء استغاثة موجهة نحو المجهول. وهذا الأمر يدعو لكثير من الاستغراب حول طريقة التعاطي مع قضية بمثل هذه الخطورة، فهي أمست أكبر من نداء استغاثة أو محاولة يائسة لاستجلاب العطف من هنا أو هناك.

نحن لسنا بحاجة الى استغاثة، بل الى مشروع حقيقي تتبناه جميع الأطراف السياسية والدينية، ينقذ ما تبقى من وجود، يسبقه دراسة من خبراء للواقع على الأرض، وعلى الأطراف الانفتاح على كل الأفكار والعقول في الشرق المسيحي، والاستفادة من تجارب مسيحيي المنطقة وقدراتهم في المساهمة بالخروج بالمشروع النهائي.

 إنشاء محافظة سهل نينوى

والفرصة الآن مهيأة بعد تحرير سهل نينوى، ولا ضير من تشجيع المسيحيين للعودة الى قراهم ما دام ذلك سيوفر فرصة لهم لبقائهم في وطنهم. فالرهان اليوم تعدى المحافظة على المسيحيين مشتتين في العراق ليتسنى لنا رفع شعار انهم منتشرون على مساحة الوطن، فأمنهم وسلامتهم والحفاظ على وجودهم المهدد أصبحت هي الأهداف التي يجب أن نعمل من أجلها.

ومن غير تخطيط ورؤية واضحة ومشروع سياسي، لن نتمكن من لملمة ما تبقى من مسيحيين للحفاظ على وجودهم على هذه الأرض. كما من المهم أن نستغل الظرف الحالي والتعاطف المحلي والدولي مع قضية مسيحيي سهل نينوى، واعتبار السهل الخيار الأهم في الحفاظ على هذا الوجود، وعلى جميع القوى الضغط على الحكومة لتطبيق قرارها بإنشاء محافظة سهل نينوى، لأنها تمثل خطوة رئيسية في أي مشروع قادم للنهوض بواقع سهل نينوى والمحافظة على الوجود المسيحي في عموم العراق.

الوقت الذي يمر في المناكفات والجدلات هو خسارة لما تبقى من وجودنا، والمرحلة بإعلان اغلاق الكنائس الثمانية أصبحت أخطر من أي مرحلة أخرى. وعلى جميع القوى وفي مقدمتها الكنيسة أن تعي ذلك وأن تكون بحجم المسؤولية، وأن تعمل للوصول الى قواسم مشتركة تمكنها من وضع الحلول، والا فإن اعلانات إغلاق الكنائس ستستمر على قدم وساق، وهذا ما يجب أن ترفض حصوله أي من الاطراف المسيحية المتصارعة على ما تبقى من وجود مسيحي.

* صحافي عراقي

- نشر المقال في الموقع الثالث الخاص بالدراسات الشرقية المسيحية ضمن مسيحي العراق

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه 


المشاهدات: 1038
أضيف بواسطة: adminsar بتاريخ 2017-07-14

جميع الحقوق محفوظة لموقع زوعا