بهرا... رحلة نضال طويلة وشاقة*

ابرم شبيرا

 كل قطار ينطلق من محطة البداية ويتوقف عبر رحلته في محطات عديدة ولفترات متفاوتة طبقا لأهمية المحطة من جهة وعدد المسافرين من مغادرين وقادمين من جهة أخرى وتنتهي رحلته في المحطة الأخيرة. وقد تتهرئ بعض أجزاء القطار ويصيبها العطل مما يتطلبها التغيير أو الترميم والصيانة لكي تعاد الرحلة مرة أخرى بشكل سليم وأمن. وقطار المجتمع، أي صيروته التاريخية، لا يختلف كثيرا عن القطار الآلي فله أيضا محطة البداية وله توقفات في محطات عدة تختلف أهميتها من مرحلة إلى أخرى وفيها من يستقل القطار وأيضا من يغادرها إلا انه يختلف عن القطار الآلي بأنه لا تنتهي رحلته التاريخية في المحطة الأخيرة، وإن حدث ذلك بسبب الإجهاد والعطل والتكاسل فهذا يعني نهاية قطار التاريخ وإختفاءه من مسيرته التاريخية المعروفة وبالتالي فقدان هويته الخصوصية. ولكن بتوفر مستلزمات الإصلاح والتغيير وبهمة الرجال الأوفياء والصامدين والمصرين على إستمرار المسيرة التاريخية فحتماً سيعيد قطار المجتمع مسيرته وتستمر نحو المستقبل.

  ومجتمعنا "الكلدو الآشوري السرياني" أستمر قطاره وصيرورته التاريخية لألاف السنين ومن مهده البيتنهريني وحتى يومنا هذا وسار عبر مراحل تاريخية صعبة ومميتة ولكن أستمر... وأستمر رغم جراحه المثخنة والمرتوية بدماء شهداء الأمة ورغم البؤس والإفقار والحرمان والمطاردة والتنكيل والتشتت وعدم الإستقرار... إلا أنه مع هذا أستمر في مسيرته ووصل إلى محطته في الألفية الحادية والعشرين وعرفَ نفسه للعالم الآخر من خلال مؤسسات وتنظيمات وأحزاب سياسية عملت بشكل أو بآخر، نجاحاً وفشلاً ولكن صمدت رغم كل المأساة والمعاناة. ولو أخذنا الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)، سواء أختلفنا معها أو أتفقنا فإن هذا التباين في الرأي حولها لا يستطيع أن يحجب تجربتها القاسية والمأساوية منذ تأسيسها عام 1979. فمن نام على الصخور العرياء الصلدة لجبال آشور وتلحف بظلمة السماء القارصة البرد وبالكاد وجد زاده اليومي من لحوم الحيوانات البرية حتى وأن كانت لحوم الثعالب و الدببة هو صورة من صور هذه المسيرة التاريخية لأمتنا. ولكن هذه المسيرة التي أستمرت خلال 38 عاماً وعابرة لكل المآسي والفواجع لا بد أن تتهرئ وتتعب بعض من أجزاءها، وهو أمر طبيعي جدا، وبالتالي لا تستطيع إكمال مسيرتها ضمن الصيرورة التاريخية للأمة أو ستتعثر في طريقها.

 لهذا فأن أمر نزول بعض من عناصرها من القطار وصعود الآخرين ضمن حركة تراتبية متناسقة أمر طبيعي لإستمرار هذه المسيرة. في عام 1992 كانت أكبر وأهم محطة في تاريخ الحركة فوجدها البعض فرصة سانحة لتحقيق بعض المصالح فقفزوا على قطار زوعا وأستقلوها وتربعوا على مقاعد مريحية ولكن تبين لهم من خلال طول المسيرة ومشقاتها عجزهم عن تحمل الصعاب والتحديات والإستمرار لذلك قفزوا منها في أقرب محطة "إختياري". من هنا نؤكد بأنه من الضروري جداً لضمان إستمرار المسيرة أن تتجدد الحياة فيها وبإستمرار سواء بالقفز منها في المحطات الإختيارية أو ترك العناصر المجهدة و "التعبانه" لقطار المسيرة وصعود عناصر شابة ويافعة ومفعمة بالحيوية والنشاط والتجدد ليكون أمر زيادة سرعة المسيرة بثبات أكثر وإنجازات أكبر. أما العكس، إي بقاء العناصر المتهرأ و "التعبانة" متكرسة على مقاعد القطار ومحاولة حجز كلها لهو أمر خطيرة وغير مضمون في إستمرار مسيرة القطار والوصول إلى محطات متعددة ومختلفة.

 واليوم نرى بأن بهرا التي هي جزء من هذا القطار، قادتها عناصر شابة مفعمة بالحيوية والنشاط والتجدد قادرة على حملها ووضعها على مسار مسيرتها المعروفة وقيادتها نحو أماد أبعد.. هي نفس المسيرة التي تطعمت بها رحمها (زوعا) بالتجارب القاسية وتحمل الصعاب ومواجهة التحديات المميتة...

 نعم تلك المواجهات التي تحدت حتى ظلم وإستبداد أزلام نظام البعث المقبور. ففي قيض تموز من عام 1984 أنقض مجرموا نظام البعث المقبور على الشهيد البطل يوبرت بنيامين في منطقة حي الآثوريين في الدورة ببغداد وألقوا القبض عليه بوشاية من يهودا الإسخريوطي.. ألقي القبض عليه لا لأنه كان يحمل كلاشينكوف ولا بازوكا أو أر بي جي ... لا ... لا.. فقد كان يحمل في جعبته نسخة من جريدة بهرا جلبها معه من كركوك لكي يسلمها لرفاقه حتى يطلعوا عليها. ألقي القبض على الشهيد لأنهم يخافون جداً من سلاح أقوى وأكثر فاعلية من هذه الأسلحة هو سلاح بهرا ... سلاح الكلمة الحرة والمستقلة والرافضة للظلم والإستبداد... سلاح الوعي القومي النابض الذي لا يمكن لأعتى دكتاتوري ومستبد أن يضعه خلف القضبان أو يعلقه على المشانق. وفي نفس العام، عندما أعتقل أزلام نظام البعث المقبور مجموعة من مناضلي زوعا كانت بهرا، بطلتهم الصنديد فزاملتهم في الزنزانة لتواجه التحديات المميتة وتقاومها. كان رجل الأمن المستبد يلوح بيده نسخة من بهرا وينهق نهيقاً في وجه المناضلين المسجونين سائلا عن الأسماء الذين وزعوا عليهم جريدة بهرا وأستلموا وقرأوها. طبعاً لغرض إستدعاءهم وزجهم في السجن لأنهم لم يقوموا "بواجبه الوطني" حسب قاموس البعث، في كتابة تقارير الوشاية للأمن عن الجريدة وأصحابها.

 غير أن صمود المناضلين المتسلحين برسالة بهرا واجهوا إستبداد رجل الأمن بالتحدي الصامت والرفض مستمدين قوتهم وصمودهم من رسالة بهرا. فبصمودهم هذا وعدم ذكر أسمي كأحد قراء الأوائل لجريدة بهرا منذ عددها الأول وحتى آخرها حرموني من شرف زمالتهم في زنزانتهم. أليس من أبسط واجباتنا أن نثمن ونقدر دائماً وأبداً مثل هذه المواقف البطولية؟؟ فإنطلاقاً من هذا الواجب البسيط كنت أنا وبضعة أصدقاء شجعان من أوائل من زارهم في سجل أبو غريب في أول زيارة مسموحة لنشد على أيدهم ونعزز من أزرهم وصمودهم، وللأمانة التاريخية أذكر هؤلاء الأصدقاء الشجعان وهم كل من المرحوم أشعيا يونان ونوئيل داود توما وشاؤول شاهين الذي كان شقيقه وأبن عمه من بين المناضلين المعتقلين وطبعاً بعض من أفراد عوائلهم.

 نعم... اليوم تعود بهرا مرة أخرى حاملة رسالتها الأولى ومن المؤكد أن قادتها مدركين لكل التحديات الجديدة التي يتطلبها الكثير من المواجهات والتضحيات لكي تستمر في مسيرتها. ونحن بحسب معرفتنا الشخصية بهم لنا أمل بهم لأستمرارها بحيوية أكثر ونشاط أكبر حتى تنطلق من جديد على مسارها القومي المستقل ونحو آماد أبعد ليلتقطها الأجيال الجديدة والقادمة.

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه 

 

* نشر في العدد 653 من صحيفة بهرا 

 



المشاهدات: 947
أضيف بواسطة: adminsar بتاريخ 2017-07-02

جميع الحقوق محفوظة لموقع زوعا