الكاتب والناشط القومي يوسف باكتاش .. اعشق اللغة السريانية وشغفي بها لانهاية له

حاورته : حنان اويشا

اندفاع كبير تلمسناه بين ثنايا حديثه .. يقينا كان نابعا من روحه المليئة حبا وحرصا وشغفا تجاه شعبه وقضاياه .. لايكن او يمل من الحديث عن معشوقته اللغة السريانية .. لغة اجداده العريقة .. يتأملها بين الفينه والاخرى ليعيد النظر بكل ممكن يضاف لها لتزداد جمالا ورونقا .. جل اهتمامه منصب تجاه تطويرها والحفاظ عليها ايمانا منه بانها الوجود والهوية ..  

الكاتب والناشط القومي يوسف باكتاش القادم من شرق تركيا ولقاء ممتع جمعنا به خلال زيارته الوطن مؤخرا..

 

 

* حدثنا اولا عن حياتك ومتى بدأ اهتمامك ينصب في مجال العمل القومي ؟

ـ منذ نعومة اظافري وحب امتي وشعبي يمتلكني .. فقد ترعرعت في الكنيسة التي خدمها والدي القس توما بكتاش لـ 40 عاما  كراعيا لها بدأ بكنيسة قرية (نصانا) ومن ثم قرى طور عبدين شرق تركيا..ومنذ الطفولة بدأت اتعلم اللغة السريانية التي احببتها كثيرا في كنيسة (مديات) ، وبعدها دخلت الى دير ما كبرئيل عام 1981 ودرست فيه لخمس سنوات التعليم المسيحي واللاهوت وتعمق ايضا اهتمامي باللغة السريانية اكثر .. ومنذ عام 1985 ـ 2005 عملت كمديرا وسكرتيرا عاما للدير وايضا كعضو في الهيئة التدريسية ودرست اللغة السريانية لاكثر من 15 عاما في الدير الذي كان يستقبل التلاميذ ومحبي هذه اللغة .. وهكذا بدأ اهتمامي وشعوري القومي وبدأت اتعمق اكثر في قضايا شعبنا وايقنت بان شعبنا وعبر تاريخه الطويل قد ابهر العالم بعلومه وفنونه وهو من اشاع العلم والمعرفة والمدنية في كل بقاع العالم .. وبما انني ابن هذا الشعب كان يراودني دائما السؤال .. ترى مالذي يمكن ان اقدمه لامتي ؟ كيف لي خدمة قضاياها ؟ لانني وجدت ان الاهتمام بتاريخ الانسانية والتعمق في دراسة التاريخ لايمكن ان نفصله عن الاهتمام بتاريخ شعبنا الموغل في القدم وسنجد ان شعبنا الاشوري له مكانة كبيرة وتاثير واضح في بناء ذلك التاريخ، ورغم ذلك فان شعبنا عاش ومايزال ظروفا قاهرة وصعبة ومرت عليه عقودا من الالام والمعاناة .. وعندما ايقنت هذه الحقيقة ازداد اصراري بان اقدم اكثر لشعبي واكرس اهتمامي بجانب مهم من جوانب الحفاظ على هويته ووجوده وهو الاهتمام بلغته الام ونشرها  ، وهكذا ازداد عشقي وشغفي باللغة السريانية لسببين اولهما هو انني وريث هذه اللغة العريقة ومن واجبي ان احافظ عليها واساهم في تطويرها، وثانيا لانني ابن لهذا العالم الذي خدمته هذه اللغة ونشرت بها العلوم المختلفة واستفادت منها شعوب اخرى وعلينا الاعتزاز بها .

ومن جانب آخر وعندما بدأت التواصل مع ابناء شعبنا في مناطق اخرى ترسخت لدي القناعة بان شعبنا من الشعوب العريقة في بلاد مابين النهرين ولابد ان يحافظ على وجوده، وبنفس الوقت عليه التعايش مع الاخوة من المكونات الاخرى وفي كل مناطق تواجده سواء في تركيا او العراق او ايران ونحن نحترم حقوق الجميع ولكن ايضا لدينا حقوق وقضية لابد ان تحترم ورغم كل مايتعرض له شعبنا من مآسي فان لدينا ارادة ، وطموحنا سيبقى المحافظة على عناصر وجوده ومنها لغته الام.

 *  ماذا عن نشاطاتك الاخرى؟ ما الذي استطعتم تقديمه تجاه العمل القومي ؟.

 ـ كما اسلفت فقد خدمت لسنوات طويلة في دير مار كبرئيل في طور عبدين ، وامارس الكتابة منذ 30 سنة وطبعا بلغتنا السريانية ، ومنذ عام 2005 انتقلت الى مدينة (مردين) وكانت لي هناك نشاطات تعليمية واجتماعية مختلفة وقد آمنت بضرورة تطوير العلاقات بين ابناء شعبنا بمختلف طوائفه ، كما ساهمت في بناء علاقات طيبة بينهم وبين ابناء الشعوب المتعايشة معه بمختلف اديانهم ومذاهبهم وثقافاتهم، ايمانا مني باننا يجب ان لا نبني اسوارا بيننا وانما نمد جسورا بين كل المكونات المتعايشة في المنطقة سواء في تركيا ، العراق، ايران وغيرها.. ونحاول ان نبني علاقات متينة مع الجميع وننفتح على بعضنا البعض .. نحترم بعضنا ..ننصح بعضنا ونستفاد من تجاربنا ونرفض كل العوامل التي تساهم في اثارة الفتن والمشاكل .. نحترم ارادة وحقوق بعضنا.. ومهما كانت انتماءاتنا فعلينا مد جسور المحبة والاحترام وقبول الآخر دون المساس بارادة اي شعب من الشعوب المتعايشة ..  ووفق هذه القناعات كانت لي نشاطات ثقافية واجتماعية وجماهيرية عديدة .. ففي تركيا كما نعلم نحن من الشعوب الاصيلة في المنطقة، ولكن ما يؤسف له ان الاخوة من الاتراك او الكورد اوالعرب لايعلمون عنا الكثير ، لذلك عملت هناك ومع عدة جامعات ومع المثقفين والمهتمين من اجل التعريف بقضايا شعبنا والعمق التاريخي للغته. 

 * كيف تقيم تقبلهم لطرحكم كونكم من الشعوب الاصيلة في المنطقة ؟.

 ـ من المهم ان يكون لدينا المقدرة والامكانية للتعريف بانفسنا ومن خلال ذلك تمكنا من ايصال افكارنا وقناعاتنا لجيراننا، وقد لاقينا تقديرا متبادلا وتقبل كبير وروح اخوية سادت علاقاتنا مع المكونات الاخرى وتلمسنا نظرة تفائل لمسألة بناء الامن والديمقراطية في المنطقة. ولكن ما يزال هناك ممن لا تنسجم افكارهم المتزمتة مع موضوع قبول الاخر والانفتاح على الثقافات المتعايشة في البلد. 

 

 * كما علمنا بعد زيارتكم الاخيرة للعراق انك ساهمت في اصدار مطبوع جديد باللغة السريانية وهو مجلة (اشلي نصابا) .. وكعضوا في هيئة التحرير هل لك ان توضح كيف جاءت فكرة اصدار المجلة ؟ وما هو الهدف من اصدار مطبوع جديد وما الذي سيضيفه الى الصحافة الاشورية؟.

 ـ  كما اسلفت ان لي في الاعوام الخمسة عشر الماضية فعاليات مختلفة في مجال الاهتمام باللغة السريانية وتعليمها، وتكونت لي خلال هذه السنوات علاقات طيبة مع العديد من المؤسسات ومع سياسيين ورجال الدين والمهتمين بها سواء في الوطن او المهجر، واغلبهم كان يردد دائما ويطالبونني بان اقوم بنشاط متميز يخدم اللغة السريانية نظرا لامكانياتي وقدراتي بكل ما يتعلق بها، وطالبوني بالتفرغ لها لانها بحاجة الى دعم ومساندة ابناء شعبنا .. وهنا لا اقصد طبعا بان ليس هناك من خدم هذه اللغة وقدم لها ما تمكن من تقديمه.. بالعكس فنحن نكن كل الاحترام وننحني امام كل جهد بذل من اجل نشرها واحيائها.. وبعد مناقشات عديدة وتبادل الاراء مع عدد من الزملاء ومحبي هذه اللغة في الوطن والمهجر خصوصا مع الكاتب والباحث المعروف نينب لاماسو تبلورت لدينا فكرة انشاء دار للنشر في لندن تحت اسم دار (انخذ ونه ) وبعدها جاءت فكرة اصدار مجلة باللغة السريانية تحت اسم (اشلي نصابا) ليتم طبعها فيها، وكان لنا أمل ايضا باننا سنحاول ان نؤسس ومن خلال المجلة هيئة للغة السريانية، ولنا تقارب واتفاق مع جامعة كامبيرج وايضا تقارب عمل مع جامعة (سلامانكا ) في اسبانيا عن طريق البروفسور افرام يلدز، وايضا العمل مع جامعة (بايلون ) الامريكية عن طريق الاستاذ عبد المسيح سعدي وجميعهم يكتبون للمجلة واعضاء في هيئة تحرير المجلة الى جانب الاساتذة كل من فيلمون درمو في استراليا الدكتورة شميران بوريان من ايران والاستاذ فريد يعقوب من العراق وطبعا، بالاضافة الى الاستاذ نينب لاماسو وانا يوسف بكتاش .

كما تكونت لدينا هيئة لغوية تعمل على اختيار المفردات المناسبة في لغتنا وهذه كانت اولى اهداف زيارتي للعراق واللقاء بالمعنيين والمهتمين لاننا على يقين بانهم سيغنون اهتمامنا بعملية تطوير لغتنا ونشرها ،  كما تبادلنا الاراء معهم حول هدف آخر نسعى اليه وهو التوجه للشباب خارج الوطن وحثهم على الكتابة باللغة الام والتمكن من قواعدها وآدابها وبكل لهجاتها .

 

* ماهو عدد الاعداد التي تم اصدارها لحد الان ؟.

 ـ صدر العدد الاول من المجلة في نيسان عام 2016 احتفالا بعيدنا القومي ، وتلاه عددان الثاني والثالث .. فنحن نعمل على اصدار ثلاثة اعداد في السنة اي عددا واحدا كل اربعة اشهر.. ونامل بتطوير صدورها كل ثلاثة اشهر .


* لماذا وقع اختياركم على هذا الاسم بالذات (اشلي نصابا)؟.

ـ  الاسم هو اسم تاريخي ولكنه غير مألوف لدى ابناء شعبنا ولا يتداول كثيرا في لغتنا المحكية اليوم ، وقد يجدونه صعبا نوعا ما او غريبا ، بالنسبة لي فقد كانت كلمة (اَشلّي ـ اشلي) تعني لي الكثير ولمعناها وقع خاص لدي ولها اصول في اللغة الاكدية..واشلى هو ذلك الضوء الذي يدخل من الكوه (كاواثا) وعندما ينعكس نوره في الداخل يبدو كحبال متعددة ومتوازية وهي ما تسمى بالسريانية اشلي.. واذا راجعتم قواميس توما اودو واوكن منا فالكلمة واردة فيها وهي واردة ايضا في احد الالواح المسمارية التي تتناول موضوعا عنها.

اما كلمة (نصابا) فهي قريبة من نصيبين اسم المدرسة المعروفة تاريخيا ونصابا كانت آلهة الفكر التي تلد الافكار وتكتب عنها ..

 

* بما انكم اخترتم اسما للمجلة له ارتباط وثيق بالمرأة كمنبع للفكر.. كيف تقيمون دور الاقلام النسوية؟ وكيف ستجد مساهماتهن موضعا عبر صفحات المجلة ؟

ـ بالتاكيد.. كتاباتهن ونتاجاتهن موضع تقدير واهتمام لدينا.. لو تصفحتم الاعداد الصادرة لحد الان ستجدون ان النساء لهن دور ومساهمات جيدة عبر صفحاتها .. وسنعمل على تطويرها وتشجيع النساء بالكتابة في المجلة .. فكيف لانقيم دور الاقلام النسوية فالمجلة مقرونة بالاسم التاريخي (نصابا) وايضا ان (انخذ ونه) هو اسم المرأة الاولى عبر التاريخ التي كتبت الشعر ، وهو الاسم الذي فضلناه لدار النشر التي اسسناها.. والمطلوب من العناصر النسوية المتمكنة هو فقط ايصال كتاباتهن لنا .   

 

* ما الذي ستسعون اليه من خلال دار النشر؟ هل ستقتصر لطبع اعداد المجلة ؟ .

ـ  الهدف من اصدار المجلة هو دعم اللغة السريانية، لذلك لا ننشر اي نتاج بأيه لغة اخرى .. وقد اسسنا الدار لدعم المجلة وتشجيع الكتاب على رفدها بشتى المواضيع ، وايضا تعمل على دعم ومساندة كتاب اللغة السريانية، وذلك عن طريق تبني طبع الكتب التي نجدها قيمة وتستحق الاهتمام .. وقد تم لحد الان طبع ثلاثة اعداد من المجلة وكتاب للكاتب نينب لاماسو، وايضا كتاب تحت عنوان (نشايوثا ) وهو من تأليف الاستاذ المرحوم كبرئيل صومه من مدينة (مديات) وعاش في آدنه وكان تلميذ الملفان يوحنا دوباني وبعدها سافر الى لبنان ومن هناك الى البرازيل وهناك ألف ما يقارب 15 ـ 20 كتابا باللغة السريانية تناولت الثقافة السريانية بمختلف ادابها .. وهذا الكتاب علمنا بوجوده عند احد اقربائه، فا قترحنا طبعه وتم ذلك فعلا.

 

* ككاتب ومهتم باللغة السريانية كيف تقييم عملية التعليم السرياني في الوطن التي بدأت منذ بدايات التسعينات من القرن الماضي ومازالت متواصلة ؟

ـ  بالنسبة لنا انها خطوة جبارة وكبيرة ونكن لكل القائمين عليها كل التقدير والاحترام  خصوصا الاخوة في الحركة الديمقراطية الاشورية التي تبنت خطواتها الاولى ومازالت تساندها بكل امكانياتها وقدراتها.. فلغة أية أمة هويتها واذا ضاعت سيضيع معها اهم اركان وجودها.. وانا لا اتصور ما ستؤول اليه اوضاع شعبنا والمستقبل المجهول الذي كان بانتظاره في حال عدم وجود هذه العملية او عدم البدء بها.. الا انني اجد ان هناك اهمية لان تكون لغتنا جزء من حياتنا اليومية، لان التعليم شيء وتطوير اللغة في حياتنا شيء آخر وهذا واجب على كل مؤسساتنا التعليمية والسياسية والثقافية لنضع ايدينا بيد بعضنا ونساهم معا بكل ما يمكن ان يحافظ على هذه اللغة العريقة وحمايتها من الضياع .

 * هذه ليست الزيارة الاولى لك للعراق.. متى زرته آخر مرة؟ حدثنا عن انطباعاتك وانت متواجد فيه مرة اخرى ..

ـ زرت الوطن بعد الاحداث الاخيرة التي ألمت بابناء شعبنا وتهجيره من مدنه ومناطقه في الموصل وسهل نينوى، وكانت لي زيارات اخرى قبلها.. وحقيقة ابكانا الواقع المرير الذي تلمسناه انذاك ونحن نرى ابناء هذه الامة العريقة موزعين هنا وهناك وفي مخيمات للنازحين تفتقد ابسط مقومات العيش ، وقد اعددنا يومها تقريرا عن تلك الاوضاع ونشرناه في مواقع عديدة .

ورغم ان معاناة شعبي ما زالت قائمة، الا ان السعادة تغمرني كلما وطأة قدمي ارض الوطن، وانتهز ايه فرصة للقدوم اليه وارتاح كثيرا عند اللقاء باحبتي في المؤسسات القومية العاملة في الوطن ودون  اية تفرقة لاننا نقدر ونحترم عمل الجميع، فلكل مؤسسة اسمها ونهجها وآرائها ونأمل بان تكون دائما قريبة من بعضها لنتمكن من ابراز قضايانا وتاريخنا والحفاظ على وجودنا وهويتنا .

 

* كلمة اخيرة

 ـ  اتمنى كل التوفيق لكل المؤسسات القومية التي تعمل في شتى الحقول سواء السياسية او الثقافية وغيرها من المجالات، واتمنى من المؤسسات القومية بذل المزيد من الجهود والمثابرة من اجل نيل حقوق شعبنا لاننا نرى بان امام العمل القومي مراحل مهمة قادمة تتطلب مساعي وجهود حثيثة خصوصا داخل الوطن لان جل اهتمام شعبنا ينصب على ما يجري داخل الوطن وآماله تبنى على كل ما يتحقق فيه لصالح شعبنا.. شكرا لكم على هذا اللقاء الممتع ونتمنى لكم لكل التوفيق ..  

المشاهدات: 711
أضيف بواسطة: adminsar بتاريخ 2017-03-11

جميع الحقوق محفوظة لموقع زوعا