منظمة الصليب الأحمر تتحدى {داعش} وتقدم خدماتها للموصليين

زوعا اورغ / وكالات

صفّت الادوات الجراحية اللامعة بدقة شديدة، الاولى تستعمل في البتر، والثانية في فتح الجلد والثالثة لأغراض جراحية عامة، واستعد الجراح وطبيب التخدير والممرضون الذين معهما في غرفة العمليات البدائية التي تم تنظيفها حديثاً منتظرين وصول مرضاهم القادمين من جبهة القتال في الموصل. هذا الفريق انقذ من الموت على مدى الساعات الاربع والعشرين الماضية صبياً صغيراً وأحد افراد الحشد الذي يقاتل "داعش"، كما انقذ من البتر ارجلاً وايدي.يقول نشوان متحدثاً عن ولده البالغ من العمر 12 عاماً، والذي كانت ساقه بحاجة الى عملية جراحية سريعة ودقيقة: "لولا وجود الصليب الاحمر هنا لفقد ولدي ساقه."صالة العمليات في مستشفى شيخان خارج الموصل بدائية بسيطة التصميم، محتوياتها مختزلة الى الاحتياجات المجردة اللازمة لإنقاذ حياة المصابين في ساحات القتال بأسرع وقت وابسط اجراء ممكن، مع الاستعداد التام في اية لحظة لنقل المستشفى والمرضى إذا ما انقلب ميزان المعركة. 

هذا الذي وصفناه هو "اللجنة الدولية للصليب الاحمر" قيد العمل. غير ان هؤلاء المتخصصين الذين يعملون على الخطوط الامامية يرون انفسهم مثل شخص وسط البحر تحت نيران عدو لا يحترم قوانين الحرب، كما لا يمكنهم الجزم بما اذا كانت الادارة الجديدة في البيت الابيض ستتفهم طبيعة عملهم وتواصل توفير الدعم المالي لهم.
قلقهم هذا انعكاس لقلق طيف واسع من الوكالات والمنظمات غير الحكومية التي اطلعت على الاوامر الادارية التي اصدرتها ادارة ترامب والهادفة الى تقليص المساهمات الاميركية في الخارج لصالح اعادة احياء البنى التحتية في الداخل. كذلك اثارت مسودة أمر اداري آخر يوجه باعادة فتح ما يسمى "المواقع السوداء" التابعة لوكالة المخابرات الاميركية "سي آي أي" ومنع الصليب الاحمر من مقابلة المحتجزين فيها موجة اخرى من القلق لدى هذه المنظمة التي تأسست بهدف نشر الفهم لمواثيق جنيف، ولو ان الرئيس ترامب قد تعهد بعد ذلك برفض العودة الى وسائل الاستجواب القاسية التي كانت تطبق في فترة الرئيس بوش.
سمحت لجنة الصليب الاحمر لنا بزيارة بعثتها في العراق بسبب قلقها من ألا تتفهم الادارة الاميركية الجديدة واقع ما تفعله او مدى دقتها في حساب التكاليف، وهو قلق عززته تغريدات الرئيس ترامب في شهر كانون الاول بحق الامم  المتحدة، فالصليب الاحمر يبذل غاية جهده للتأكيد على ان المنظمة تعمل جنباً الى جنب مع الامم المتحدة ولكنها لا تأتمر بأمرها.
قال "دومنيك ستلهارت" رئيس عمليات لجنة الصليب الاحمر في مقابلة اجريت معه: "نحن سادة قراراتنا ولسنا خاضعين لقرارات مجلس الامن او للمداولات السياسية التي تتباحث في اين ينبغي ان ترسل المساعدات."
يتحمل دافعو الضرائب الاميركيون نحو ربع ميزانية اللجنة الدولية للصليب الاحمر، البالغة 1,6 مليار دولار، لذا زار ستلهارت واشنطن عقب تنصيب الرئيس الجديد كي يشرح للاميركيين كيف تستثمر اموالهم ويطلب من واشنطن ان تستمر مشاركتها. عرض ستلهارت قضيته في "البنتاغون" وكابيتول هل، مبيناً أن اكثر من 90 بالمئة من التمويل يذهب للبعثات في الخارج وان 6,5 بالمئة فقط تستخدمها الادارة. وفي كل عام تنشر اللجنة ميزانيتها ضمن تقرير من اكثر من 600 صفحة كي يستطيع المتبرعون تعقب اين تنفق اموالهم.
يقول ستلهارت: "لقد توسعت عملياتنا بنسبة 60 بالمئة خلال السنوات الاربع الماضية في حين بقي مقر ادارتنا مرشقاً حيث لم يتعد النمو فيه نسبة 15 بالمئة. اننا نبذل غاية وسعنا للارتفاع بمستوى الكفاءة والتحقق من ان تنفق الاموال في العمليات وليس على البيروقراطية في جنيف."
مقابل التمويل الذي توفره الحكومة الاميركية للصليب الاحمر تؤمن الفرق التابعة للمنظمة، مثل ذلك الذي يعمل خارج الموصل، الاسعافات الطبية الطارئة بالاضافة الى التجهيزات الطارئة المطلوبة على وجه السرعة مثل البطانيات لمساعدة اللاجئين حيث هم ومن بعد ذلك تسهيل عودتهم الى مناطقهم بعد ان تنتهي المعارك.
في العراق، حيث اضطر نحو ثلاثة ملايين انسان الى النزوح عن مناطقهم خلال اكثر من سنتين من القتال ضد "داعش"، بينهم نحو 100 الف لاجئ من مدينة الموصل وحدها، تمكن الصليب الاحمر من تسليم تجهيزات غذائية طارئة لنحو 800 الف انسان، بالاضافة الى ايفاد اربعة فرق جراحية الى منطقة الموصل. هذه النشاطات تدخل ضمن شبكة من منظمات الاغاثة التي تقدم المساعدات للمهجرين والنازحين العراقيين بالتنسيق مع المسؤولين العراقيين المحليين والكرد.
يتمثل جانب من المشكلة في صعوبة التمكن من بلوغ الذين يحتاجون الى المساعدة في منطقة قتال دائمة التغير، وحيث يترك "داعش" وراءه دائماً عملاء مختبئين في القرى المحررة لكي يشنوا عمليات انتحارية غادرة على العائدين الأمنين. ففي شهر كانون الاول الماضي تعرضت منظمة اغاثة عراقية لقصف بقنابر الهاون اثناء ايصالها مواد للاغاثة فقتل وجرح عدد من العاملين في المنظمة واهالي القرية.
تقول "كاثرينا رتز" رئيسة وفد الصليب الاحمر في بغداد: "السؤال هو كيف سنتمكن من مساعدة اهالي الموصل دون الحاق الاذى بهم؟ مبدأنا هو عدم التسبب بالاذى، والامر لا يتعلق بسلامتنا وحدنا بل ايضاً بسلامة الاهالي."
العقيدة الاساسية التي يقوم عليها عمل الصليب الاحمر هي البقاء على الحياد، وهذا معناه التحرك بلا سلاح، وهو ما تفعله فرقها في العراق. هذا يعني بالتالي عدم التمكن من الوصول دائماً الى نقطة قريبة من الجبهة كما تفعل فرق الامم المتحدة، التي تتنقل عادة تحت حماية مسلحة. وفي المؤتمر الذي انعقد في الخريف لتنسيق عمليات الاغاثة في العراق عبرت منسقة الشؤون الانسانية التابعة للامم المتحدة "ليز غراند" عن اسفها العميق لمنظمتي الصليب الاحمر واطباء بلا حدود بسبب عدم التمكن من الوصول الى حدود قريبة من خط الجبهة.
يقول ستلهارت ان الصليب الاحمر تمكن من ارسال فرق اضافية مع اكتمال تطهير القوات العراقية لمعظم مناطق شرق الموصل. اما المهام الاخرى غير المنظورة التي يقوم بها الصليب الاحمر فتشمل تفتيش المنشآت التي تحتجز فيها القوات العراقية الفارين من مناطق القتال وتستجوبهم للتعرف على عناصر "داعش" المدسوسين وسط الحشود.
تقول رتز: "ما نحاول تحديده هو النقطة من بعد الافراج الامني التي تصبح لها متطلبات انسانية، فمن تلك النقطة نستطيع مساعدة الحكومة العراقية على التعامل مع تلك المتطلبات."
ففي معركة الفلوجة على سبيل المثال كانت الحكومة العراقية تقدر عدد المدنيين المحاصرين داخلها بنحو 50 الفاً، وان خروجهم سوف يحدث على مدى اسابيع. بيد ان الذي حدث هو تدفق نحو 60 الف مدني في ظرف ايام قليلة في ذروة صيف قائظ ولم يكن احد قد اعد العدة لمثل ذلك الموقف. فالعراق لم يشهد احصاء للسكان منذ عقود طويلة، لذا لم يكن في يد الحكومة العراقية سوى ان تحاول تخمين اعداد الناس الذين سيتحركون.
تقول رتز: "فجأة وجدنا أن علينا اخلاء الوف والوف من الناس. كان الطقس حاراً والناس مرضى وبحاجة الى الماء." على الفور بادر الصليب الاحمر والمنظمات الاخرى الى ايصال مواد الاغاثة ولكن الامر استغرق اسابيع قبل تحقيق نقطة التوازن. هذا واحد من الاسباب التي تجعل رتز وغيرها من مسؤولي الاغاثة الذين قابلناهم يؤكدون بأنهم هذه المرة استعدوا لما هو اعلى من التقدير تحسباً للموجة التي قد تغادر مدينة الموصل، والتي كانت ابطأ في التجسد حتى الان.
يقوم موظفو الصليب الاحمر ايضاً بزيارة مراكز الاحتجاز التي يديرها مسؤولون عراقيون اذ يسمح لهم ان يجتمعوا بالمحتجزين وسؤالهم بشكل شخصي عن واقع المعاملة التي يتلقونها من محتجزيهم بالاضافة الى تبادلهم الرسائل. وفي احد هذه المراكز اكد اسير ينتمي الى "داعش" قابله مراسلو "ديلي بيست" ان الصليب الاحمر يسلمه رسائل من عائلته بشكل منتظم، وهي شهادة اعتبرها المسؤولون العراقيون المشرفون على المركز نقطة فخر لهم لأنها تثبت، كما يقولون، مدى احترامهم لقوانين الحرب الدولية.
يؤكد المسؤولون الكرد ايضاً ان علاقتهم قديمة بالصليب الاحمر، ويقول احد المستشارين الكرد ان المنظمة المذكورة قد اخبرتهم ذات مرة بأن منشآت الاحتجاز لديهم ليست بالمستوى المطلوب فعالجوا الامر واصلحوه.
تمتد تعاملات منظمة الصليب الاحمر مع الجيش الاميركي لعقود خلت، ولو أن بعض العسكريين لا يستسيغون رفض المنظمة الانحياز الى جانب ما. ولكن هذا الحياد الثمين هو المفتاح الذي اتاح لموظفي المنظمة المدارة من سويسرا الذهاب الى مواقع لا يستطيع غيرهم الوصول اليها. ففي العام 1993 تمكن احد ممثلي الصليب الاحمر من زيارة الطيار "مايك ديورانت" قائد مروحية "بلاك هوك" الذي وقع في الاسر في مقاديشو. كانت اصابة ديورانت بليغة وكان مقتنعاً بأنه سيقتل، ولكن كل شيء تغير، كما يقول، عندما ابلغه احد قادة آسريه بأن ممثلاً عن منظمة الصليب الاحمر سوف يأتي لمقابلته. فقد نقل الى منشأة احتجاز افضل حالاً وقدمت اليه الاسعافات الطبية الاساسية استعداداً لتلك الزيارة، وأخيراً اخلي سبيله. 
اطلع قائد عسكري اميركي رفيع المستوى موقع "ديلي بيست" ان الصليب الاحمر كان قد رفع تقريراً سرياً يتعلق بالانتهاكات التي ترتكبها ثلة من الجنود الاميركيين في سجن ابي غريب قبل عدة اشهر من خروج الامر الى العلن، ولكن القادة الاميركيين لم يصدقوا تلك التقارير.
لذا صار القادة الاميركيون اليوم اكثر اهتماماً بزيارات فرق الصليب الاحمر باعتبارها فرصة لتقييم مستوى الاداء في منشآتهم. ففي رسالة بالبريد الالكتروني الى "ديلي بيست" قال الجنرال "ديفد برترايوس"، القائد السابق لقوات التحالف في العراق وافغانستان والقيادة الوسطى للجيش الاميركي: "لقد فتحنا كافة منشآت الاحتجاز التي نديرها في العراق وافغانستان امام الصليب الاحمر، بما فيها تلك التي تديرها وحدات المهام الخاصة، وقد عاد ذلك بالفائدة علينا وبالاطمئنان عليهم."
حين يسمح طرف ما للصليب الاحمر بدخول منشآته وتفتيشها فإنه بذلك يعلن للعالم عن مدى التزامه بقوانين الحرب التي نصت عليها معاهدة جنيف. وضعت هذه المعاهدة، التي حررت مسودتها في اواخر القرن التاسع عشر ثم اعيد تعديلها بعد الحرب العالمية الثانية، بهدف تحديد انواع الاسلحة التي يسمح باستخدامها والسماح بزيارة اسرى الحرب وكذلك السماح للمساعدات بالوصول الى المدنيين. ولكن الجزء الاصعب من العمل في العراق وسوريا هو أن "داعش" لا يلقي بالاً لمعاهدات جنيف ولا رغبة لديه في أن يظهر بمظهر انساني.يقول موظف في الصليب الاحمر، حجب اسمه لانه مستمر بالعمل من داخل مناطق "داعش"، أن التنظيم الارهابي يمنع دخول الصليب الاحمر، ولكن هذا لا يعني ان تتخلى المنظمة الدولية عن مبادئها، على حد تعبيره. ويضيف أن فريقه يتبع مبدأ بسيطاً عند العمل في مثل هذا المحيط الذي تختلط فيه القوى المتصارعة، كما في قتال "داعش". يقول: "نحن لا نسأل ايا من اطراف النزاع عن دوافعه. كل طرف ادرى بدوافعه، اما نحن فنحاول تحقيق افضل ما بالمستطاع."

المشاهدات: 59
أضيف بواسطة: adminsar بتاريخ 2017-02-07

جميع الحقوق محفوظة لموقع زوعا