حينما لا اكون أنا!

ألن البرت هاول

كلما تقدمتُ بالعمر وتوسعت معرفتي ومدى وعيي وادراكي ، وجدت نفسي ملزما بأن اكتب واثير موضوعا شديد الاهمية، ألا وهو لغتنا الام الاشورية، لغة ابناء شعبنا الواحد من الاشوريين الكلدان السريان..

 

انا اعتبر نفسي محظوظ جدا، فلما كنت صغيرا اخذني والدي الى (كنيسة مار كيوركيس في الحبانية) لاتعلم لغتنا في الدورات المعروفة التي تقيمها (كنيسة المشرق الاشورية) لتعليم الايمان المسيحي واللغة الام، ومنذ ذلك الحين تعلمت القراءة والكتابة بلغتنا الام رغم اني في وقتها لم أعي حتى اهميتها..

وقبل بلوغي العشرين عملت في الحركة الديمقراطية الاشورية (زوعا) في بغداد وانضممت الى صفوفها، وهنالك تجلى في داخلي الحس القومي وادركت اهمية لغتنا الام ووجوب تعلمها والمحافظة عليها ونشرها.. وعلى اثر ذلك سجلت في قسم اللغة السريانية بكلية اللغات - جامعة بغداد بتشجيع من الحركة وبعد ان عرّفتني بما ينتظرني من مستقبل زاخر وآفاق واسعة في حال التحاقي بالقسم.. وهذا ما حدث بالفعل وحتى قبل ان اتخرج من القسم بشهادة البكلوريوس.. ولكن، هذا كله قد لا يحصل مع الجميع..

فبالمقابل، قد يكون احد ابناء شعبي لم يحظ ولا حتى بفرصة واحدة مساوية لما غمرني به القدر من فرص.. بل على العكس من ذلك، فقد يكونا ابواه ممن يجيدان التحدث بلغتهما الام ويتحدثان بها مع بعضهما، ولكنهما لم يتحدثا بها قط او يعلماها لابنهما، بل قاما بانشاؤه وتربيته –ودون تقصد منهما- على اللغة العربية مثلا في البيت، ونتيجة لهذا يكبر الابن محصورا في زاوية فهم القليل جدا من الكلامِ والجمل بلغته الام دون القدرة على الرد.. فبالنسبة لمثل هكذا اشخاص وغيرهم، ماذا عنهم؟!

 

هنا، تقع على اصحاب الحس القومي والمدركين لاهمية اللغة الام مسؤولية تعريف مثل هؤلاء الاشخاص باهمية لغتهم.. اهمية التحدث بها واهمية تعلمها قراءة وكتابة.. وتحفيزهم وجذبهم بشتى الطرق والوسائل لوضعهم على الطريق الصحيح.. طريق العودة شيئا فشيئا الى لغتهم الاصيلة التي كان اباؤهم واجدادهم يتداولونها..

اقول لك عزيزي القارئ، وببساطة شديدة، ان لغتك الام هي تاريخك، هي تراثك وثقافتك ، هي اللغة المقدسة لصلواتك وترانيمك ، هي وجودك وحاضرك.. اذ ليس لائقا ولا من المقبول ان تنتمي لقوم وانت لا تعرف ولا تتكلم لغتهم!، كيف ستكون متواصلا مع تاريخك وتراثك وثقافتك وصلواتك المكتوبة بلغتك الام، وانت لا تجيد قراءتها؟!، ليست كل الميامر والمدارش والصلوات والنتاجات الادبية والشعرية لمار افرام ومار يعقوب السروجي ومار يعقوب النصيبيني والكثير غيرهم ممن نفتخر بهم مترجمة للعربية او للغة اخرى!، فهي نتاجات بلغتك الام لكنك دون قدرة على قراءتها.

 

مفاجأة اقدمها لك اخي الكلداني السرياني الاشوري قد تكون لم تعرف عنها مسبقا، هل تعلم انك بمجرد حفظك للحروف والحركات مع القليل من التمارين سيكون بمقدورك القراءة والكتابة بلغتك الام بكل سهولة؟! ذلك لانك تعرف الجزء الاعظم من المفردات والجمل لكونك تتحدث بهذه اللغة، وبالتالي لن تكون غريبة عليك، وان كنت لا تتحدثها فلابد انك تفهمها شيئا ما! لابد ان تكون سهلة عليك! تلك البذرة موجودة بداخلك، كل ما عليك هو ان تسقيها.. ان توفر لها البيئة المناسبة لتنبت!.. كما ان لغتنا هي مثل العربية تكتب كما تُلفظ.. ربما في مدة اقل من اسبوع او اسبوعين –ودون اية مبالغة- ستكون متمكنا من القراءة والكتابة بلغتك الام، جرّب ذلك! اذ كخطوة اولى، ليس مطلوبا منك مطلقا ان تتقن قواعد اللغة تماما وان تميز الاسم عن الفاعل والحرف والخ.. انما هو انجاز رائع واضافة ثرية لك ولثقافتك حينما تتمكن من قراءة جملة ما مكتوبة بلغتك الام في احدى وسائل التواصل الاجتماعي او احد الكتب والمجلات و و.. ان تعرف كتابة اسمك بلغتك الام!.. وإلاّ، فكيف سنكون شعبا حيّا وامة حيّة واحدى اهم مقومات استمرارية الامة وبقاؤها حيّة هي اللغة الام؟!. اليوم، اهم شيئان في حياتي هما (قوميتي وايماني المسيحي) وكلاهما يتطلبان مني معرفة لغتي الام قراءة وكتابة.

انا اليوم استطيع القراءة والكتابة والانشاء والتأليف والعمل ولدي كتابي الصادر بلغتي الام، لدي اشعاري ومقالاتي بلغتي الام.. وهذا يعود الى ما ذكرته في بداية مقالي عن تعلمي للغتنا منذ صغري.. ولكني اسرد هذا كله لاقول لك عزيزي القارئ بانني لست افضل منك في الجانب اللغوي، ابدا ابدا! بامكان اي واحد ان يكون لغويا بمستواي او افضل مني، وبالطبع يوجد.. اقول هذا كله ليس لوضع مقارنة بيني وبينك ايها القارئ الكريم، واكرر بانني لست افضل منك، ولكن، وبكل صراحة، (حينما اتجرّد من هذا كله.. حينما لا اكون انا!... وأضع نفسي في مكان ذلك الذي لا يعي ولم يرشده احدا ليتعلم لغته.. أرى بأن كل ما احتاجه هو ان يتم إرشادي الى الطريق الصحيح فقط.. ان يتم تشجيعي واخذي الى حيث يمكنني ان أكتب واقرأ بحروف لغتي.. طالما انني لست بخاسر اذا تعلمتها!!.. أنا حتما مستعد لاتعلم لغتي الام واعلمها غدا لاولادي، واذا لم اتمكن اليوم.. فبالتأكيد غدا استطيع!).

لذا، ادعوكم يا ابناء شعبي العزيز: تعلموا لغتنا الام قراءة وكتابة.. انها تاريخنا، إرثنا وتراثنا وثقافتنا، صلواتنا ووجودنا.. نعم، لكل منا اسباب كثيرة سواء عامة او خاصة جعلتنا غير مبالين بلغتنا، من جراء الحروب والمذابح والمآسي والتهجير والظلم والاضطهاد والظروف المعروفة التي أشقت شعبنا واجهدته على مر التاريخ.. او لعدم الانخراط في مؤسسات قومية او ثقافية او مراكز تثير فينا هذا الجانب المهم، او بسبب بعض كنائسنا التي اقامت صلواتها بالعربية بدلا من اللغة الام، او بسبب الاهل وغيرها من الاسباب الاخرى.. ولكن، الى متى سنبقى نلقي اللوم على ظروفنا واهلنا لسبب عدم تعلمنا؟! وغدا سيلقي ابناؤنا بلومهم علينا نحن!.

وبعد ان بتنا نعرف –وانا واثق ان اغلبكم سيوافقني الرأي- بانه (من الخطأ) ان الكثير من ابناء شعبنا اليوم لا يجيدون القراءة والكتابة بلغتنا الام، فإلى متى الاستمرار بالخطا؟! أليس الاجدر بنا اليوم ان نصحح خطأنا هذا ونعود الى تعلم لغتنا الام؟ أليس من القوة ان نقف اليوم بوجه كل هذه الظروف متحدّين قائلين باننا سنتعلم لغتنا؟! فماذ ننتظر اذا؟!.

كما تعلمون، يبدأ التغيير من الداخل، على كل واحد منا ان يبدأ من نفسه.. ان يحاور اهله.. ان يخبر صديقه.. ان تطلب جوقة الكنيسة من راعيها التركيز على اللغة الام.. ليس بالامر الصعب مطلقا.. ولكنه دليل على صدق محبتنا وتمسكنا بايماننا وقوميتنا وبثقافتنا ومعرفتنا، واظهار قوتنا كشعب يسعى بالرغم من كل المصاعب ان يحافظ على وجوده وحيويته.

المشاهدات: 795
أضيف بواسطة: adminsar بتاريخ 2016-11-05

جميع الحقوق محفوظة لموقع زوعا