الموصل وبلدات سهل نينوى، المستقبل!

البطريرك لويس ساكو

الموصل الحدباء، أم الربيعين، عراق مصغر، وكانت قبل احتلال داعش تجمع بين اعراق وديانات وثقافات ولهجات مختلفة وازياء متنوعة نتيجة استقرار موجات هجرة فيها. سكانها كانوا يمثلون فسيفساء جميلة، غالبيتهم من العرب السنة، ولكن فيها الاكراد والتركمان والشيعة والشبك والمسيحيون والايزيديون والصابئة. وهؤلاء جميعاً عانوا كثيراً من بطش داعش، ونأمل الا يُشطب هذا التنوع الحضاري الموروث. لذا ينبغي دعم قواتنا المسلحة المتنوعة المشاركة في استعادتها.
نأمل ان تكون معركة استعادة الموصل وبلدات سهل نينوى وخروج داعش نقطة تحوّل فيها وفي العراق ككل. فالعملية العسكرية التي نجحت في توحيد العراقيين والتنسيق العالي والنوعي بينهم ضد داعش، ينبغي ان تدفع بقوة الى المصالحة الوطنية الصادقة والالتفاف حول نقاط الالتقاء المشتركة وتحقيق الاستقرار، وعدم الانجرار وراء تجيير  المفاهيم  بحسب المصلحة واقتسام الغنائم  على أعيان الموصل وبلدات سهل نينوى وحكمائها من النخب الفكرية والاجتماعية والسياسية والدينية التفكير الجاد والمسؤول في تحديد مستقبل المحافظة ما بعد داعش ومناقشته مع الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والأطراف الأخرى المعنية لتحقيق الاستقرار وإعادة بناء ما دمرّ.

وهذه بعض الاقتراحات  نود عرضها :-

ترتيب شامل لإدارة المدينة والمحافظة في المرحلة القادمة والاتفاق عليه بشكل شامل بإشراك كافة مكونات المحافظة لئلا تحصل توترات جديدة ويكون حال الموصل وبلدات سهل نينوى حال العراق بعد تحريره!

2. تلبية حاجات السكان وتقديم الخدمات لهم وخفض منسوب الفساد وتهدئة الانقسامات ودمج كافة مكوناتها في العملية السياسية الفعالة وعدم استبعاد أحد تجنبا للتشظي الاجتماعي والديني والسياسي.

 3. مسيحيو نينوى. ان المسيحية هي ثاني أكبر الديانات في العراق من بعد الإسلام. وان الموصل ثاني أكبر مدن العراق، محاطة بسلسة من بلدات مسيحية كلدانية وسريانية بالكامل. ومع داعش خلت المدينة والبلدات المحيطة بها تماماً من سكانها المسيحيين الاصيلين الذين هجروا قسراً وتعرضوا للسرقة حتى مستمسكاتهم الثبوتية. ولقد كتب عناصر الدولة الاسلامية على جدران بيوتهم عبارة (عقارات الدولة الاسلامية) وحرف (ن)، أي نصارى، كان مؤثرا جدا ً ان يعود الجنود العراقيون المحررون يُصحّحون العبارة بكتابة وطنية وجدانية بكلمة عراقيون كان للمكون المسيحي دور كبير في دفع التعاون مع المسلمين والمكونات الأخرى على طول الخط، وقدّموا للعراق الكثير. واليوم بعد مأساتهم يحتاجون الى الاحتضان وصيانة حقوقهم وضمان حمايتهم وليس تهميشهم. إن ما يلزم المسيحيين في هذا الوقت هو استعادة الثقة بجيرانهم وسياسيي بلدهم ومنطقتهم بالأفعال وليس بالخطابات لإبقائهم على ارضهم وعدم دفعهم الى الهجرة. وهذا يصب في المصلحة العامة نظراً الى كفاءتهم واخلاصهم ونزاهتهم وانفتاحهم.ابد من التعاطي مع المسيحيين والمكونات الأخرى بواقعية وحزم وإيجاد مخرج سليم ودائم لوضعهم، اننا بالرغم من المحنة القاسية نحمل الايمان والرجاء بمستقبل، أكثر امناً واستقراراً. كما صلى البابا فرنسيس يوم الاحد 23 تشرين الاول 2016 "كيما يبقى العراق، وعلى الرغم من المحنة القاسية التي يجتازها، قوياً وراسخاً في الأمل بالسير نحو مستقبل من الأمن والمصالحة والسلام"

 4. بعد كل هذه التجارب المريرة، حان الوقت للعراقيين لتعلم العبرة من كل ما حدث ويحدث لهم، والتفكير ببناء دولة المواطنة المتساوية، دولة تقوم على أسس ومبادئ صحيحة، دولة تحافظ على حقوق المواطنين وحريتهم وكرامتهم، دولة تحميهم بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والفكرية والدينية، دولة تطبق القانون وتمنع اخذ الحق عن طريق الشخص أو القبيلة (الانتقام والانتقام المتبادل- الفصل)، دولة تمارس كل شيء في نطاق القانون والدستور، وليس عن طريق الوساطة والمحسوبية والرشاوى. دولة تحترم الدين لأنه يبني الاخلاق ولا تسعى لتسيسه وتشويهه لأغراضها! ان الدين يعرض ولا يُفرض. دولة تبني علاقات متوازنة وحسنة مع دول الجوار. دولة هي هوية المواطنين ومظلتهم الجامعة،

دولة يفتخر مواطنوها بانتمائهم الى ترابها وتراثها وتاريخها وفضاءاتها الجميلة، ويعبرون عن سعادتهم في العيش والبقاء فيها ولا يريدون استبدالها ابدا!! هذه لحظة تاريخية لا ينبغي تفويتها!
وبهذه المناسبة نود أن نعبر عن تضامننا مع كل عائلة عراقية فقدت أحد افرادها، ونطلب العودة للمفقودين والمختطفين والمهجرين ونصلي من اجل ان يختار كلّ مسؤول عراقي بصدق طريق المحبة والعدالة والحق والسلام.


المشاهدات: 706
أضيف بواسطة: admin بتاريخ 2016-10-26

جميع الحقوق محفوظة لموقع زوعا